التصعيد الإيراني أخذ منحى أكثر خطورة مع استهداف مواقع مدنية ومنشآت اقتصادية ومناطق مأهولة. وهذا التحول يضع البلاد أمام مشهد أمني مختلف عمّا اعتاده المجتمع البحريني الذي عرف عبر عقود طويلة بالاستقرار والطمأنينة.

ما يحدث اليوم لا يمكن التقليل من خطورته، لكنه في الوقت ذاته لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للارتباك أو فقدان الثقة. فالدول تُقاس بقدرتها على إدارتها بحكمة وثبات. وقد أثبتت البحرين، عبر محطات عديدة من تاريخها، أن لديها مؤسسات راسخة وأجهزة أمنية وعسكرية تعمل بكفاءة عالية لحماية الوطن وصون أمن المجتمع.

ومن الطبيعي أن تترك مثل هذه التطورات أثراً من القلق في نفوس الناس، فاستهداف مناطق سكنية أو تهديد حياة المدنيين يمثل صدمة لأي مجتمع. وعندما تصل الاعتداءات إلى بيوت آمنة أو تصيب أبرياء لا علاقة لهم بالصراع، فإن المسألة تتجاوز الحسابات السياسية لتلامس الجانب الإنساني الأشد ألماً. وتبقى قصة شهيدة الوطن سارة دشتي، رحمها الله، شاهداً مؤلماً على الكلفة الإنسانية التي يمكن أن تخلّفها مثل هذه الاعتداءات عندما يدفع الأبرياء ثمن الصراعات.

الأزمات، مهما كانت قاسية، تكشف في الوقت ذاته عن معدن الشعوب وصلابة نسيجها الاجتماعي. وقد اعتاد البحرينيون في مختلف المراحل أن يواجهوا التحديات بروح من التضامن والالتفاف حول وطنهم وقيادتهم، إدراكاً منهم بأن وحدة الصف تبقى دائماً الضمانة الأولى لعبور الأزمات.

الأمن لم يعد مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح منظومة متكاملة يشارك فيها المجتمع بأسره. الالتزام بالتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، وتجنب تصوير المواقع الحساسة أو نشر مشاهد العمليات الأمنية، هو مساهمة مباشرة في حماية الاستقرار ومنع استغلال المعلومات من قبل الجهات المعادية.

كما أن التعامل المسؤول مع الأخبار والمعلومات بات ضرورة لا تقل أهمية. فالأزمات تفتح المجال أمام سيل من الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة التي قد تثير القلق أو تربك المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية والتحلي بروح المسؤولية في تداول المعلومات، لأن الكلمة غير الدقيقة قد تتحول إلى أداة تخدم من يسعى إلى زعزعة الاستقرار.

من بين الأسئلة التي تفرض نفسها في مثل هذه الظروف مسألة دقة بعض عمليات الاستهداف التي تطال مواقع محددة في توقيتات معينة. هذه الدقة تثير تساؤلات حول احتمال وجود من يمد المعتدين بالمعلومات أو الإحداثيات، خصوصًا فيما يتعلق بالمواقع الحيوية أو أماكن وجود بعض الأفراد.

وأياً كانت طبيعة مثل هذه الحالات إن وجدت، فإن التعاون مع أي جهة تستهدف أمن البلاد لا يمكن وصفه إلا بالخيانة الصريحة للوطن والمجتمع. ففي أوقات الخطر تتضاعف مسؤولية الجميع في حماية البلاد، ويصبح العبث بأمن المجتمع جريمة لا تمس الدولة فحسب، بل تمس حياة الأبرياء واستقرار الناس. ولذلك فإن التعامل مع مثل هذه الأفعال يجب أن يكون بمنتهى الحزم وفق ما يقرره القانون.

علمتنا التجارب أن قوة الأوطان لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل في لحظات التحدي. وفي مثل هذه اللحظات يتجلى الفارق بين مجتمع متماسك يدرك حجم مسؤوليته، وآخر تضعفه الانقسامات والشكوك. والبحرين، بتاريخها وتجربتها، أثبتت مراراً أن تماسك مجتمعها وثقة أبنائها بوطنهم هما السند الحقيقي الذي تستند إليه في مواجهة الأزمات.

ستبقى البحرين وطناً قادراً على تجاوز التحديات، لأن قوة هذا البلد لم تكن يوماً في موارده وحدها، بل في وعي شعبه، وصلابة مؤسساته، ووحدة أبنائه عندما تشتد الظروف.