في مثل هذه الأزمة الوطنية العصيبة التي نمر بها هذه الأيام، والتي لم نشهد لها مثيلاً في فترات أعمارنا، لا يجد القلم كلمات يكتبها إلا دفء الأحاسيس الوطنية، وحب هذه الأرض التي نشأنا عليها وترعرعنا بين جنباتها. فالقلم لم يبحث عن أي مشاعر أخرى سوى «الوطن»، وعشق حروفه، والانتماء إلى أرضه، وحب كل ما فيه؛ قيادته وسمائه وأرضه وهوائه وأصدائه وناسه وشعبه، وكل مقيم على أرضه.
وبالفعل، فإن كل طيف من أحاسيسنا يسترسل في الحديث عن «البحرين» فقط، تلك التي جُرحت بجراح العدوان الإيراني الآثم الغاشم والسافر، الذي جرح قلوبنا جميعاً، وأضحت أيادينا ترتفع إلى السماء، وتتوجّه إلى العلي القدير أن يحفظ علينا إيماننا وأمننا واستقرارنا، وأن يُديم البحرين واحة خيرٍ وإخاءٍ وسلامٍ ومحبةٍ واستقرار، كما كانت وستبقى بإذن الله تعالى.
وعندما نقول: البحرين.. أمانة في قلوبنا، فإنما تتجذر في الوجدان معاني المسؤولية التي يتحمّلها كل مواطن بحريني يعيش على هذه الأرض الطيبة، وتذوق خيراتها، وتنفّس هواءها، وتنعّم بالأمن والأمان فيها، في ظل قيادة آمنت بمعاني السلام والتعايش بين الجميع دون استثناء. فالبحرين ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل هي مسؤولية كبرى نحملها في قلوبنا؛ نحافظ على أمنها واستقرارها بتكاتفنا وتكافلنا، ونصونها بالولاء الصادق لها، وبحب قيادتها والثقة فيها، وبالعمل الدائم المنتج الذي يحافظ على منجزاتها وإرثها الوطني والإنساني الأصيل الذي توارثناه أباً عن جد.
فحب البحرين راسخ في القلوب والوجدان، وليس مجرد أرض نعيش عليها. وإن وُجد بيننا من أحب غير هذه الأرض وخانها وخان الأمانة التي حملها في قلبه، فذلك من دسائس خارجية آثمة تريد أن تزعزع تلك المحبة التي جمعتنا على الخير وحب الوطن. فخيانة الوطن خيانة عظمى، ويجب أن نضرب بيدٍ من حديد على كل من تسوّل له نفسه المساس بأمنه أو خيانته، حتى يكون عظة للجميع؛ فمعادن الناس إنما تُكتشف في الابتلاءات ومثل هذه الأحداث.
ودائماً ما أستذكر في هذا المقام قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغادر مكة مُرغماً ويخاطبها بوجدانه وقلبه: «والله إنكِ لخيرُ أرضِ الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ». وعندما هاجر إلى المدينة قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبَّبت إلينا مكة أو أشد». فحب الوطن فطرة أصيلة تتعمق في قلوب المخلصين المنتمين إلى هذه الأرض، أما من خدش هذه المحبة بانتماءات خارجية، وخان وطنه، فقد خان قلبه وإيمانه.
نقول: البحرين.. أمانة في قلوبنا، فإنما نعني بذلك أننا أوفياء لوطننا وقيادتنا، ونحفظ هذه الأمانة بالالتفاف حول الوطن وقيادته، وخدمته في كل المجالات، وترجمة هذه المحبة إلى معانٍ عملية تكشف عن عمق محبتنا الأصيلة لهذه الأرض. فالجميع مُطالَب بأن يصون هذه المحبة، ويساهم في الذود عن هذا الوطن وعن عرضه، فهو أمانة في قلوبنا جميعاً؛ أفراداً ومؤسسات. نقف جنباً إلى جنب مع قيادتنا، ومع رجال أمننا ورجال قوة الدفاع الذين يسهرون ليل نهار من أجل الذود عن حياض الوطن الغالي، حفظهم الله ورعاهم.
وهنيئاً لهم أجر هذه الحماية، التي ستكون لهم نبراساً للخير في الدارين. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله».
ما ألمَّ بنا اليوم ليس حدثاً عابراً، بل هو لحظة استشعار قلبي لتلك النعم العظيمة التي أغدقها المولى عز وجل علينا، ولربما لم يستشعرها البعض يوماً ما، ولم يدرك قيمة الأمن والأمان والاستقرار الذي يعيش فيه. فيكفينا أن نزاول حياتنا بأمن وأمان، بالذهاب إلى أعمالنا ومساجدنا، وزيارة الأهل والأصحاب، واللقاء في ميادين الخير. نتنفس الأمن والأمان، ونتنفس الخير الذي نعشقه على الدوام. وبالفعل، نعمٌ لم نشعر بعمقها كما ينبغي إلا في مثل هذه الأيام، وهو ما يدعونا إلى أن نحمد الله تعالى ونشكره على كل تلك النعم، وندعوه ألا يؤاخذنا بجريرة نفوسنا بسلبها من حياتنا. فإنما المرء يجب أن يحاسب نفسه أولاً؛ فمثل هذه الابتلاءات التي تمر بنا إنما هي مُبطنة برحمة، وهي اختبار وتمحيص لإيماننا وقوة صلتنا بالله عز وجل، لاسيما أن هذا الحدث يأتي في أجمل أيام العام، في أيام رمضانية مباركة، وفي ليالٍ عظيمة القدر والأجر. إنه تمحيص لطمأنينة القلوب، وتسليم بأمر الله تعالى وقدره وقضائه؛ فنحن نعيش لله ومن أجل الله، ومن أجل أن نبلغ مراتب الخير التي تُكتب لنا بها أجور الآخرة، ونحصد بها المنازل العليا في جنات النعيم.
حفظ الله البحرين من كل سوء، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ ملك البلاد وولي عهده، ووفقهما لما يحب ويرضى، وأعانهما على حمل الأمانة، وحفظ رجال الأمن من المرابطين على الثغور، وحفظنا جميعاً وأهالينا وكل من نحب، وأسبغ علينا نعمه الظاهرة والباطنة، وبلغنا عيد الفطر السعيد وقد زالت عن بلادنا هذه الغمة. اللهم آمين.
ومضة أملمازال الحدث الجلل الذي نعيشه هذه الأيام هو الحدث البارز الذي يعلّم أبناءنا وأبناء الوطن أن البحرين بخير بإذن الله تعالى، لأنها أرض يعيش عليها أولئك المباركون المخلصون الذين نذروا حياتهم لله تعالى، وأخلصوا محبتهم لوطنهم وقيادتهم.
سنَبقى على العهد ما حيينا.. دروس نتعلمها، وتزيدنا قوة بعد قوة.. وتبقى البحرين.. أمانة في قلوبنا.