حبّ العطاء من أجمل الصفات التي تُعرَف بها المجتمعات الحيّة، فالإنسان يميل بطبيعته إلى المشاركة في تخفيف أعباء الآخرين، ويجد في العطاء معنى يضيف إلى حياته عمقاً إنسانياً خاصاً، والمجتمعات التي تنجح في ترسيخ هذه القيمة تصنع حولها دائرة واسعة من التضامن، فتتحول المبادرات الفردية مع مرور الوقت إلى ثقافة عامة يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.
ويتضاعف معنى العطاء عندما يتجه نحو الوطن، وهنا يتحول الفعل الإنساني إلى مسؤولية مشتركة، ويصبح كل فرد شريكاً في حماية المجتمع ودعم استقراره، وفي مثل هذه اللحظات تظهر حقيقة المجتمعات وتبرز الروابط العميقة التي تجمع أبناءها.
المجتمع البحريني يمتلك تاريخاً طويلاً في هذا المجال، وتروي الذاكرة الاجتماعية كثيراً من الصور التي تكشف عمق هذه الروح، ففي أحد أيام شهر مايو 1953م اتفقت عضوات نادي السيدات، كما تتذكر عائشة يتيم، على إقامة سوق خيري في مدرسة الزهراء مخصص للنساء والأطفال لمدة يومين فقط، وبعد أسبوعين من التحضير والاستعداد اكتظت ساحة المدرسة بجموع النساء والأطفال الذين جاءوا إلى السوق الخيري، حيث أقبلوا على شراء الأكلات التي صنعتها العضوات والملابس التي قمن بخياطتها، وقضوا وقتاً في الاستماع إلى ما يطلبونه في فقرة «طلبات المستمعين» من الغرامفون الكبير الموضوع في وسط ساحة المدرسة، وقد كتبت مجلة «القافلة» عن ذلك الحدث قائلة: «لقد كان نجاح السوق الخيرية الذي أعده نادي السيدات عظيماً فقد امتلأت مدرسة الزهراء وضاق رحابها عن تحمل العدد الهائل من السيدات، وقد بلغ مجموع المبيعات قرابة أربعة آلاف روبية سيخصص ريعها لحماية الطفولة».
مثل هذه المشاهد تكشف أن العطاء في البحرين هو تقليد اجتماعي متجذر في حياة الناس، فمن المبادرات الأهلية القديمة إلى الجمعيات الخيرية الحديثة ظل العمل التطوعي حاضراً في تفاصيل المجتمع، وهو ما جعل روح التكافل جزءاً من الشخصية البحرينية.
وقد ظهرت هذه الروح بوضوح خلال جائحة كورونا، حين تحولت المبادرات التطوعية إلى شبكة واسعة من الدعم المجتمعي، فالمتطوعون شاركوا في المستشفيات ومراكز الفحص والمبادرات الخدمية، وامتدت جهودهم إلى مساعدة كبار السن وتوصيل الاحتياجات اليومية للأسر، وقدمت تلك التجربة نموذجاً حياً لقدرة المجتمع على التحول إلى قوة مساندة للدولة في إدارة الأزمات.
هذه الذاكرة المجتمعية للعطاء تظهر اليوم مرة أخرى في حملة «البحرين بخير... ما دام أنتوا أهلها»، ففي فترة قصيرة تجاوز عدد المسجلين في المنصة الوطنية للتطوع ستين ألف متطوع من المواطنين والمقيمين أعلنوا استعدادهم للمشاركة في دعم الجهود الوطنية في هذه المرحلة.
ويتم توزيع المشاركين كل حسب تخصصه على مجالات متعددة تشمل الصحة والهندسة والخدمات اللوجستية والإدارة والرقابة، إلى جانب إدارة مراكز الإيواء والمشاركة في معالجة آثار الأضرار في المناطق المتضررة، إضافة إلى مساندة كبار السن في احتياجاتهم اليومية، وهذا التنوع يعكس فهماً متقدماً للعمل التطوعي حيث تُوظف الخبرات والتخصصات لخدمة المجتمع بصورة منظمة.
كما أن هذا الرقم في حد ذاته يحمل دلالة كبيرة، فستون ألف متطوع تعني ستين ألف رسالة انتماء، وستين ألف شاهد على قوة الروابط التي تجمع المجتمع البحريني، وفي مثل هذه اللحظات تتحول المبادرات إلى تعبير واضح عن وحدة الصف، وتصبح المشاركة المجتمعية جزءاً من مشهد وطني واسع.
ففي لحظات الأزمات الكبرى تتجلى حقيقة أخرى عن قوة الدول، فالمؤسسات تدير الأزمات، أما المجتمعات المتماسكة فهي التي تمنح تلك المؤسسات القدرة على الصمود والاستمرار، وهنا تتحول روح التطوع إلى شكل من أشكال القوة المجتمعية التي تحمي الاستقرار، وتعزز الثقة العامة.
فالأزمات تكشف دائماً طبقة عميقة في حياة المجتمعات، إذ يظهر ما يمكن تسميته بالقوة المجتمعية، تلك الطاقة الكامنة في الناس عندما يتحول التضامن إلى فعل والعمل التطوعي إلى سلوك عام، وعندها يصبح المجتمع نفسه جزءاً من منظومة حماية الوطن.
وحين يُنظر إلى هذه الحملة في سياقها الأوسع تتضح صورة مهمة، وهي أن الوطن الذي يمتلك مجتمعاً يعرف طريق العطاء يمتلك دائماً قوة إضافية تحمي استقراره وتدعم مسيرته.