منذ الرابع من رمضان 1447 هـ (21 فبراير 2026)، تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي لهجمات مكثفة بالصواريخ والمسيّرات، قُدّر عددها بمئات الصواريخ وأكثر من ألف مسيّرة خلال أسابيع قليلة، وفي مملكة البحرين تم إطلاق حوالي 125 صاروخاً وحوالي 203 مسيرات، وكشفت المعطيات الميدانية (من مصادر الذكاء الإلكتروني) أن إيران قد استهدفت الإمارات وحدها بأكثر من 1800 مقذوف، بينما اعترضت السعودية العشرات من المسيرات في يوم واحد، ولم تسلم البنية التحتية الحيوية، حيث تعرضت محطات تحلية مياه في البحرين والكويت والإمارات للقصف أو الانفجارات قربها، مما يهدد شريان الحياة في هذه الدول الصحراوية التي تشكو من الفقر المطلق في المياه.
وللأسف، شنت إيران هجوماً صاروخياً على مدينة رأس لفان الصناعية في قطر يوم الأربعاء 18 مارس 2026، والتي تضم أكبر منشآت الغاز الطبيعي المسال في العالم في مشروع اللؤلؤة لتحويل الغاز إلى سوائل، المملوك لشركة «شل»، وقد تسبب الهجوم بأضرار بيئية كبيرة بسبب الحرائق والتسربات الكيمائية، والحمد لله تم السيطرة عليها، علماً بأن هناك عدوان إسرائيلي على حقل بارس الجنوبي سبب حريق وتلف أجزاء من منشآت إنتاج الغاز والنفط، ويعد هذا الحقل، الواقع في محافظة بوشهر (يبعد عن البحرين 300 كم وعن الكويت حوالي 200 كم)، الأكبر في العالم، وهو امتداد جيولوجي لحقل الشمال القطري.
علمياً، لا تؤدي هذه الهجمات إلى تغيير حقيقي في الأنظمة الجوية الكبرى مثل الأمطار أو المنخفضات، إذ يبقى تأثيرها محلياً ومؤقتاً؛ فقد تشهد المناطق المستهدفة ارتفاعاً محدوداً في درجات الحرارة نتيجة الحرائق، وانخفاضاً في مدى الرؤية بسبب الدخان، إضافة إلى اضطرابات طفيفة في الرياح القريبة من مواقع الانفجارات، وبات خطر الأمطار الملوثة «المطر الأسود» أكثر قربا حيث يتفاعل الدخان المحمل بالسناج والمواد الكيميائية مع بخار الماء في الغلاف الجوي، مكوناً هذه الأمطار أو أمطاراً حمضية.
كما تؤدي الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الحرائق إلى تكوين ضباب دخاني كثيف، مما يقلل مدى الرؤية الأفقية، ويحول السماء إلى اللون الرمادي أو الأسود، وعند الغروب والشروق نرى الأفق أكثر حمرة . كما يمكن أن تؤثر هذه الجسيمات على عملية التكثف، مما يؤدي إلى تغيير أنماط هطول الأمطار محلياً وجعلها أكثر حمضية وضرراً.
كما يمكن أن تؤثر الأدخنة على الطقس بشكل غير مباشر، حيث تقلل من أشعة الشمس نهاراً، ما يؤدي إلى انخفاض طفيف في درجات الحرارة، بينما تساهم ليلاً في احتباس الحرارة. وفي حال استمرار الانبعاثات لفترة طويلة، قد تلعب الجسيمات دوراً في تكوين السحب، مع تأثيرات محدودة على الهطول. ورغم خطورة هذه التأثيرات محلياً، فإنها لا ترقى حالياً إلى التأثير على المناخ الإقليمي أو العالمي، إذ تبقى أقل بكثير من تأثيرات الأنشطة الصناعية الكبرى أو حرائق الغابات الواسعة.
لكن هذه التأثيرات لا تمتد إلى تغيير الأنظمة الجوية الكبرى مثل المنخفضات أو أنماط الأمطار، وبمعنى آخر، التأثير يحدث على نطاق محلي ضيق، وليس على مستوى إقليمي واسع. وحقيقة، يعتبر حرق الغاز والنفط مصدراً رئيسياً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ فإضافة ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون والميثان إلى الغلاف الجوي نتيجة هذه الحرائق تساهم في تسريع وتيرة الاحترار العالمي.
أما التأثيرات المناخية بعيدة المدى، فتكمن في البصمة الكربونية الهائلة للصراع؛ فالآلة العسكرية من أكبر مستهلكي الوقود الأحفوري، وتحليق الطائرات والمسيرات والصواريخ والمقذوفات تطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون. كما أن تحويل مسار السفن التجارية بعيداً عن مضيق هرمز للالتفاف حول أفريقيا يزيد استهلاك الوقود والانبعاثات بنسبة قد تصل إلى 70%، مما يفاقم الاحتباس الحراري عالمياً.
أما الأضرار البيئية المباشرة فهي لا تقل خطورة، فاستهداف محطات التحلية لا يعني فقط تلوث المياه المنتجة، بل انسكاب مواد كيميائية خطيرة في التربة والمياه الساحلية، مما يسمم الحياة البحرية في حوض الخليج شبه المغلق. كما تحتوي المقذوفات على معادن ثقيلة ومواد سامة تتسرب إلى المياه الجوفية، مما يجعل الأراضي الزراعية غير صالحة للزراعة لعقود.
وتظل المخاطر النووية، في حال قصف مفاعل بوشهر في إيران (حوالي 1000 ميجاوات بتقنية الماء المضغوط) كابوساً يهدد المنطقة بأسره، حيث أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قلقها البالغ من استهداف المنشآت النووية.
إن دول الخليج، حالياً، تواجه عدواً جديداً لا يعترف بالحدود، وهو الدمار البيئي، فبالإضافة إلى موجات الحر القياسية، ستضاف تهديدات الأمطار الملوثة وارتفاع تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة، مما يشكل خطراً صحياً حاداً. وعلى المدى البعيد، يهدد تراكم السموم في السلسلة الغذائية والأمن المائي مستقبل المنطقة بأسرها، في معادلة رهيبة تجعل ثمن الحرب أكبر بكثير من ساحة المعركة.
الخلاصة:
1- على المدى القريب، تأثير العدوان الإيراني على دول الخليج العربي، يكمن في خطر تساقط الأمطار الملوثة (السوداء والحمضية)، وارتفاع مستويات تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة المنبعثة من الحرائق، وهذا يشكل خطراً صحياً حاداً على المصابين بأمراض تنفسية وضغطاً على الأنظمة الصحية.2- تأثيرات عالمية على المناخ؛ فحرق الغاز والنفط مصدراً رئيسياً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فإضافة ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون والميثان إلى الغلاف الجوي نتيجة هذه الحرائق تساهم في تسريع وتيرة الاحترار العالمي، مما يقوّض الجهود العالمية للوصول إلى ذروة الانبعاثات بحلول عام 2026 والتحول إلى الطاقة النظيفة.3- على المدى البعيد، يكمن تأثير هذا الهجوم الإيراني بالصواريخ والمسيرات في تراكم المعادن الثقيلة في السلسلة الغذائية البحرية (الأسماك)، وتفاقم ندرة المياه بسبب تهديد محطات التحلية، وتآكل التربة الصالحة للزراعة.4- الهجمات الإيرانية العدوانية على دول الخليج العربي لا تغيّر الطقس بشكل مباشر، لكنها تترك آثاراً بيئية وصحية ملموسة، ما يجعل حماية البيئة وإدارة التلوث أولوية موازية للأمن في مثل هذه الظروف.
* أستاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة الخليج العربي