تتجلى معادن الرجال، وتُكتب صفحات المجد بدماء الأبطال الذين اختاروا أن يكونوا في الصفوف الأولى دفاعاً عن أوطانهم، لا ينتظرون جزاءً ولا شكوراً، سوى رضا الله وشرف الواجب.
استشهاد أحد المتعاقدين المدنيين في القوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من الجنسية المغربية، وهو شقيق عربي، وهو يؤدي واجبه إلى جانب إخوانه في قوة دفاع البحرين، رسالة عميقة تختصر معاني التضحية، وتؤكد أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ.
الإيمان بقضاء الله وقدره يمنح هذه اللحظات المؤلمة بعداً إيمانياً يخفف وقعها، ويثبت حقيقة ثابتة، بأن فقدان الشهداء ثمن باهظ يُدفع في سبيل بقاء الأوطان آمنة مستقرة. ومع ذلك، فإن منزلة الشهيد في ديننا الحنيف، ورفعة قدره عند الله، تجعل من هذه التضحية تاج فخر واعتزاز، لأسرته ولكل أبناء الخليج العربي، وأمتنا العربية أيضاً.
رجال الجيش البواسل، بمختلف مواقعهم وتخصصاتهم، يشتركون في ذات الرسالة، وإن اختلفت مهامهم. الدفاع عن الوطن ليس مقتصراً على من يحمل السلاح في الخطوط الأمامية، بل هي منظومة متكاملة يعمل فيها الجميع، من الجندي إلى الفني إلى المتعاقد المدني، وكلٌّ يؤدي دوره بإخلاص. وفي هذا السياق، فإن استشهاد هذا البطل وهو يشارك في مهمة دفاعية مشتركة، يرسّخ حقيقة أن الواجب يُقاس بالفعل والتضحية.
أبرز ما تكشفه هذه الحادثة هو عمق وحدة دول الخليج العربي، على المستوى السياسي وعلى مستوى الدم والميدان. حين يقف إماراتي إلى جانب بحريني وسعودي وقطري وكويتي وعماني، وأيضاً عربي، فهم يمثلون جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. هذه الوحدة العسكرية والتنسيق المشترك واقع يُترجم في ميادين الدفاع، وبالنسبة لمجلس التعاون، فإنه يُثبت أن أمن الخليج منظومة جماعية، وأن أي تهديد يستهدف دولة هو تهديد للجميع.
الرسالة الأوضح في هذه اللحظة هي أننا، كخليجيين، لا نقف متفرقين أمام التحديات، بل نصطف صفاً واحداً، نتقاسم المسؤولية كما نتقاسم المصير. وما هذه التضحيات إلا دليل على أن أهم روابطنا تتمثل بأخوة راسخة تُختبر في أصعب الظروف وتزداد صلابة.
هنا لا بد من التأكيد أن استهداف الأوطان بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ومحاولة إيقاع الخسائر في الأرواح والممتلكات والمنشآت الحيوية، لن يزيد شعوب الخليج إلا تماسكاً، ولن يثني رجالها عن أداء واجبهم. بل على العكس، سيعزز إيمانهم بعدالة قضيتهم، ويزيدهم عزيمة في حماية أوطانهم ومكتسباتهم.
لا يسعنا إلا أن نقف إجلالاً لرجال قوة دفاع البحرين، وللقوات المسلحة في جميع دول الخليج العربي، أولئك الذين يسهرون ليطمئن الناس، ويخاطرون بأرواحهم لتبقى الأوطان آمنة. فلولا جهودهم وتضحياتهم، بعد توفيق الله، لكانت الأخطار أكبر، ولطال الأذى الأبرياء، ولتأثرت مقدرات دولنا واستقرارها.
بلداننا الخليجية ستظل، بإذن الله، بخير، ما دامت تنجب مثل هؤلاء الرجال البواسل، الذين يذودون عن أوطانهم بكل شجاعة وإخلاص، ويقدمون أرواحهم فداءً لترابها. هؤلاء هم صناع الأمن، وحماة الديار، وشهداء المجد الذين ستبقى سيرتهم نوراً يهتدي به الأحياء، وإثباتاً بأن الأوطان تُحمى بسواعد أبنائها وصدق انتمائهم.