عام 1955، انطلقت إذاعة البحرين كأول إذاعة خليجية وطنية بقيادة المذيع الرائد إبراهيم كانو رحمه الله.
كان صوته عبر الأثير حدثاً غير مألوف، حتى أن نساء البحرين عندما سمعن صوت رجل (أجنبي) يدخل البيوت عبر المذياع لأول مرة، غطين وجوههن.
ذلك المشهد كان رمزاً لبداية عهد جديد، حيث أصبح للخليج صوت إعلامي وطني بعد أن كان يعتمد على إذاعات أجنبية مثل بي بي سي وإذاعة برلين.
اليوم، الأخبار لا تأتي عبر مصدر واحد، بل تتدفق بلا توقف وعلى مدار الساعة عبر منصات التواصل الاجتماعي المتعددة.
المواطن الذي كان يبحث عن خبر واحد ليسمعه، يواجه الآن آلاف الأخبار في لحظة واحدة، بعضها صحيح وبعضها الآخر مضلل أو مزيف بالذكاء الاصطناعي.
وهنا تبرز الحاجة إلى منصة خليجية موحدة للتحقق من الأخبار، تعمل باستدامة وشفافية، وتكون مرجعاً رسمياً للجمهور في مواجهة سيل المعلومات.
وكما كانت البحرين سبّاقة في تأسيس أول إذاعة خليجية، فإننا نريد لها اليوم أن تكون رائدة في إطلاق هذه المنصة كمشروع بحريني يُقدَّم لدول مجلس التعاون الخليجي.
الخطوة الأولى هي تشكيل فريق خليجي متخصص يجمع خبرات الإعلام والتقنية والأمن السيبراني وعلوم التطبيقات. ينظم هذا الفريق هاكاثون خليجي لاختيار أفضل تصميم للتطبيق، بحيث تكون المنافسة مفتوحة أمام المبرمجين والمصممين والمبتكرين الشباب لتقديم حلول مبتكرة.
بعد اختيار التطبيق الفائز والمناسب الذي يخدم تماماً أهداف المنصة الخليجية، ويوافق عليه رسمياً مجلس التعاون عبر الأمانة العامة، تُحال النتيجة إلى الهيئة الخليجية للمواصفات والمقاييس. تقوم الهيئة بإصدار قرار يُلزم الشركات المصنّعة للأجهزة الإلكترونية — مثل الهواتف الذكية، الأجهزة اللوحية، أجهزة التلفزيون الذكية، والكمبيوترات — بتضمين التطبيق في أنظمة التشغيل الخاصة بها، ليصبح جزءاً من المواصفات الخليجية الموحدة. وبهذا الشكل، لا يكون التطبيق مجرد خيار إضافي، بل يصبح عنصراً أساسياً في بنية الأجهزة التي تدخل كل بيت خليجي، تماماً كما تُلزم الشركات اليوم بمعايير السلامة أو الطاقة.
بعد ذلك، يتولى الفريق إعداد الإدارة التشغيلية للمنصة، مع التركيز على التعليم والتدريب المستمر، ووضع سياسات وإجراءات مرنة بعيدة عن البيروقراطية، لأن المنصة يجب أن تعمل كجهاز إنذار مبكر ضد الأخبار المضللة.
ولضمان الاستدامة، ينظم الفريق هاكاثون سنوي لتطوير التطبيق بشكل مستمر، بحيث يتم اختيار النسخة المطورة الأفضل كل عام، مما يحافظ على حيوية المشروع، ويواكب التغيرات التقنية وأساليب التضليل الجديدة.
إلى جانب ذلك، يجب أن يكون الأمن السيبراني وعلوم التطبيقات جزءاً أساسياً من المنصة، لضمان الحماية والابتكار في آن واحد.
والأهم أن تكون المنصة مصدراً موثوقاً وشفافاً، وليست مجرد أداة نفي. فهي لا تقتصر على إصدار بيانات دفاعية، بل تقدم حقائق موثقة، تشرح السياق، وتعرض الأدلة بشكل حيادي، مما يجعلها مرجعاً يُرجع إليه المواطن لتعزيز الثقة ومواجهة التضليل. كما يجب أن تكون المنصة مرجعاً لا يقتصر على المواطن فقط، بل أيضاً وكالات الأنباء والصحف والمجلات والقنوات الإخبارية، بحيث تعتمد عليها المؤسسات الإعلامية في التحقق من الأخبار قبل نشرها، مما يعزز مصداقية الإعلام الخليجي، ويمنحه قوة جماعية في مواجهة التضليل العالمي.
لتقود البحرين مع شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي، مشروعاً رقمياً موحداً يحمي الحقيقة ويصون ثقة المواطن في زمن التدفق المعلوماتي.