ينص الدستور الإيراني تحت عنوان الجيش العقائدي على أنه: «يتركز الاهتمام، في بناء القوات المسلحة للبلاد وتجهيزها، على جعل الإيمان والعقيدة أساساً وقاعدة لذلك.

وهكذا يصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة تقوم على أساس الهدف المذكور، ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم وآخرين من دونهم».

ثم ينص في المادة (١٢) على أنه:

«الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشر، ويبقى هذا المبدأ قائماً وغير قابل للتغيير إلى الأبد. أما المذاهب الإسلامية الأخرى، التي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي، فإنها تتمتع باحترام كامل..».

هناك الكثير من الدراسات حول الدستور الإيراني وفلسفة المشرع وما يمكن استنباطه من أفكار من خلال مواد الدستور وكيفية انعكاسها على السياسة الخارجية الإيرانية، ما يهمنا في هذا المقام ليس نقد فلسفة المشرع الإيراني بقدر تسليط الضوء على كيفية تتبع وتفسير السلوك الإيراني وسياساتها الخارجية بالنظر إلى تطبيق الدستور.

صيغة الدستور تلك جاءت على هذا النحو، رغم محاولات جماعات إسلامية عديدة كالإخوان المسلمين آنذاك ١٩٧٩م مع الخميني في بادئ الأمر للاكتفاء بوضع الدين الإسلامي دين الجمهورية، وحذف الاثني عشرية كمذهب أوحد للجمهورية.

وكما يبدو من حديث ترامب المتكرر عن نظام جديد هو يرمي بشكل غير مباشر إلى تغيير الدستور الإيراني؟ وربما أن الأهم لدى الغرب اليوم من أي وقت مضى ليس امتلاك إيران للسلاح النووي بقدر الدفع إلى تغيير فلسفة المشرع الإيراني وهي مهمة أصعب وأكثر تعقيداً من القصف العسكري. فبذور البقاء للنظام كامنة في دستوره.

النظام الإيراني طبقاً للمادة المتعلقة بالجيش العقائدي التي أشرنا إليها أعلاه، قائم على مفهوم الثورة الكونية سواء بالقوى الناعمة أو بالقوى العسكرية، كما هو وارد بالمادة الدستورية المذكورة وبصورة مكثفة في الفقرة التالية « بل تحمل - أي القوات المسلحة الإيرانية - أيضاً أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم»، فعندما يدفع المفاوض الأمريكي تجاه تجريد إيران من القدرات النووية والصاروخية على سبيل المثال، ذلك لحشر إيران في زاوية خطيرة، فإن رضخت إيران، ووقعت على أي اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية بغض النظر عن المكاسب الأمريكية من وراء تلك المفاوضات، هذا يعني أن النظام بدأ يخالف دستوره، وهذه أزمة قانونية ستعصف بوجود النظام الإيراني على المدى البعيد، فيبدو أن إيران تواجه خيارات صعبة ومعقدة تمس وجود نظامها السياسي، إما تغيير الدستور وهذا يعني تغيير النظام بشكل غير مباشر.

وإما تكثيف الضربات العسكرية، وفي كلتا الحالتين يبدو بأننا نشهد علامات بداية نهاية نظرية سياسية إسلامية أخرى، بالأمس سقطت نظريات «الإسلام السياسي السني»، الإسلاميون السنة «الإخوان المسلمين»، واليوم نشهد سقوط نظريات «الإسلام السياسي الشيعي»، و«حزب الدعوة».