أضحت الحروب التقليدية متداخلة مع الحروب الرقمية، ولم يعد أمن الوطن مقتصراً على حدوده الجغرافية، بل امتد إلى فضائه السيبراني، حيث تُدار معارك خفية تستهدف البيانات والوعي والثقة.

وفي هذا السياق، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للتحذيرات، بل أصبح «حارساً رقمياً» يشكّل خط الدفاع الأول عن أمن وطنه المعلوماتي وفضائه السيبراني باعتباره جزءاً أصيلاً من الأمن الوطني الذي يجب أن يصطف فيه المواطن في خندق واحد مع المؤسسات العسكرية والأمنية التي قدمت أرواحها فداء للوطن وحماية للمواطنين والمقيمين، لأن الحفاظ على الوطن هي قضية وجود وليست قضية حدود.

بداية لابد من التمييز بين التضليل الإعلامي والهجمات السيبرانية؛ فالأول يستهدف العقول عبر نشر الأخبار الكاذبة أو المضللة، بينما تتجه الثانية إلى البنية التقنية ذاتها، من خلال اختراق الحسابات، وتسريب البيانات، وانتحال الهويات الرقمية.

وتشير دراسات علمية حديثة في الأمن السيبراني إلى أن نسبة كبيرة من الاختراقات تبدأ من سلوكيات فردية بسيطة، مثل استخدام كلمات مرور ضعيفة أو التفاعل مع روابط مجهولة المصدر.

هنا يتجلى الدور الحيوي للمواطن، الذي يمكنه -بإجراءات بسيطة- أن يكون عنصراً فاعلاً في منظومة الحماية. فتعزيز أمن الحسابات عبر كلمات مرور قوية وتفعيل التحقق الثنائي، يمثلان خط الدفاع الأول ضد محاولات الاختراق.

كما أن الامتناع عن نشر معلومات حساسة، مثل مواقع أو تحركات أو صور غير محسوبة في أوقات الأزمات، يُعد سلوكاً وطنياً واعياً، يحول دون استغلال هذه البيانات من قبل الجهات والدول المعادية.

ولا يقل خطراً عن ذلك ما يمكن تسميته بـ«الفضول الرقمي»، حيث يدفع الفضول بعض الأفراد إلى فتح روابط مشبوهة أو تداول تسريبات غير مؤكدة، بدافع السبق أو المعرفة أو التشارك مع الآخرين، دون إدراك أن هذه الممارسات قد تفتح أبواباً للاختراق، أو تسهم في نشر معلومات مضللة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن جزءاً كبيراً من الهجمات السيبرانية يعتمد على استغلال هذا السلوك البشري تحديداً.

كما يمتد دور المواطن إلى محيطه الأسري، من خلال بناء ثقافة أمن رقمي داخل المنزل، تقوم على التوعية بالمخاطر، وتدريب الأبناء على الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، بما يعزز مناعة المجتمع ككل في مواجهة التهديدات الرقمية.

وتُقدّم التجربة الإستونية بعد الهجمات السيبرانية عام 2007 نموذجاً رائداً في هذا المجال؛ إذ تحولت الدولة إلى واحدة من أكثر الدول تقدماً في الأمن الرقمي، عبر إشراك المواطنين في منظومة الحماية، وتعزيز وعيهم بدورهم في حماية الفضاء السيبراني.

كما أظهرت التجربة الأوكرانية خلال الحرب أهمية التزام المواطنين بعدم تسريب معلومات ميدانية أو بيانات حساسة، ما ساهم في تقليل المخاطر وتعزيز الأمن العملياتي.

إن حماية الأمن المعلوماتي لم تعد مسؤولية تقنية فقط، بل أصبحت مسؤولية مجتمعية مشتركة. وفي هذا الإطار، يتحول المواطن من مستخدم عادي إلى «حارس رقمي» واعٍ، يدرك أن كل نقرة، وكل مشاركة، قد تكون جزءاً من معركة أكبر، تتطلب وعياً وانضباطاً بقدر ما تتطلب أدوات وتقنيات. حمى الله البحرين وقيادتها وشعبها من كل سوء.