فيصل الشيخ

منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، شكّلت المملكة العربية السعودية العمق الاستراتيجي الحقيقي لدوله، ليس فقط بحجمها الجغرافي أو ثقلها السياسي، بل بمواقفها التي تُترجم دائماً إلى أفعال ملموسة في أوقات الشدة قبل الرخاء.نحن لا نتحدث هنا عن دولة شقيقة فقط، بل عن ركيزة أساسية يقوم عليها توازن الخليج العربي واستقراره، وعن سندٍ حاضرٍ لا يتأخر حين تُختبر المواقف.

ما شهدناه خلال أوقات الأزمة والاستهداف الصاروخي من فتح مطار الدمام وتسهيل الحركة الجوية أمام الأشقاء في دول مجلس التعاون، يضاف إلى السجل طويل من المواقف المشرّفة التي سطّرتها المملكة العربية السعودية عبر عقود.في ظل ظروف استثنائية، ومع تصاعد التهديدات الأمنية التي أثّرت على حركة الطيران في المنطقة، بادرت السعودية بخطوة نوعية تعكس مستوى عالياً من الجاهزية والمسؤولية، حين فتحت أجواءها عبر مطار الدمام، لاستيعاب حركة الطيران القادمة من شقيقاتها دول الخليج العربي.

القرار لم يكن بسيطاً من حيث تبعاته التشغيلية. وهنا السعودية كانت تدرك تماماً حجم الضغط الذي سيتولد عن تحويل أعداد كبيرة من الرحلات إلى مطار واحد، وما يعنيه ذلك من ارتفاع كبير في وتيرة التشغيل، وتعقيدات لوجستية، وضغط على الكوادر والبنية التحتية. ومع ذلك، لم تتردد، لأن الأولوية كانت ولاتزال تتمثل في أمن واستقرار الخليج، وخدمة شعوبه.

ما يميز هذه الخطوة أنها تكاد تكون حالة نادرة -إن لم تكن فريدة- على المستوى العالمي. إذ من الصعب أن تجد دولة تفتح مطاراتها بهذا الشكل الكامل، وتُسخّر إمكانياتها الجوية لاستيعاب هذا الكم الكبير من الطائرات القادمة من دول أخرى، حتى وإن كانت شقيقة.

هذا المستوى من التكامل، وهذه الدرجة من الثقة، لا تتحقق إلا في منظومة متماسكة كمنظومة مجلس التعاون الخليجي، وفي ظل دولة محورية كالمملكة العربية السعودية، عُرفت بمواقفها البطولية، وشهامتها في الأوقات الصعبة.

أثبتت شقيقتنا الكبرى مرة أخرى أنها العمود الفقري لمجلس التعاون، وأنها صمام الأمان الذي تلجأ إليه دول الخليج العربي عند الأزمات. قوة المملكة هي مصدر قوة لكل دول المجلس، ومواقفها المشرّفة تعزّز من تماسكنا، وتمنحنا ثقة أكبر في مواجهة التحديات.

بالنسبة لنا في مملكة البحرين، فإن العلاقة مع المملكة العربية السعودية تتجاوز حدود الأخوّة التقليدية. نحن أمام علاقة استثنائية، أقرب ما تكون إلى وحدة شعور ومصير. علاقة لا تفصلها حدود، ولا تُقاس بمسافات، بل تُبنى على تاريخ طويل من التلاحم والتكامل في الرؤى والمواقف، سواء في الجوانب السياسية أو الإنسانية. السعودية بالنسبة لنا ليست فقط دولة شقيقة، بل امتداد طبيعي لنا، كما نحن امتداد لها.

في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، تواصل السعودية ترسيخ هذا النهج، وتؤكد في كل محطة أن مصلحة الخليج العربي تأتي في صدارة أولوياتها، وأنها على استعداد دائم للتداعي لنصرة أشقائها، وتقديم كل ما يلزم لدعمهم في مختلف الظروف.

الكلمات، مهما بلغت، لن تفي السعودية حقها في مواقفها المشرّفة، فالتاريخ وحده كفيل بأن يشهد على حجم ما قدمته وتقدمه. لكن ما يمكن قوله بيقين، هو أن وجود المملكة العربية السعودية بهذا الثقل، وبهذا الالتزام، هو من أعظم المكاسب التي تنعم بها شعوب دول مجلس التعاون.

كل الامتنان، وأسمى عبارات التقدير، للمملكة العربية السعودية، سنداً لا يتغير، وذخراً لا ينضب، وعمقاً خليجياً يزداد رسوخاً مع كل موقف. وبفضل هذه المواقف، سيبقى مجلس التعاون الخليجي -بإذن الله- كياناً متماسكاً، ومنطقتنا واحة أمن واستقرار، مهما تعاظمت التحديات أو التهديدات.