في المشهد السياسي، قد تعلن المفاوضات كبداية للحلول، لكنها في بعض اللحظات تكون مجرد غطاء لمرحلة أكثر تعقيداً. وعليه ما نشهده اليوم بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، يمكن قراءته كحالة غير تقليدية، بل حالة مركبة تختلط فيها السياسة بالقوة، والدبلوماسية بالرسائل العسكرية المباشرة.

بدأت المفاوضات رسمياً. وهذه بحد ذاتها خطوة مهمة بعد أسابيع من التصعيد غير المسبوق. لكن، وفي اللحظة نفسها التي جلس فيها المفاوضون إلى الطاولة، كانت السفن الحربية تتحرك، وعمليات عسكرية تُنفذ في مضيق هرمز، وتصريحات حادة تُطلق من أعلى المستويات. هنا تحديداً تكمن المفارقة، إذ نحن أمام مفاوضات تُدار تحت صوت السلاح، لا في ظل غيابه.

المعطيات خلال الساعات الأخيرة ترسم صورة واضحة هنا، الولايات المتحدة لم تدخل التفاوض من موقع التهدئة، بل من موقع الضغط. عمليات تطهير المضيق، وتحريك القطع البحرية، والتصريحات الصريحة بأن «هرمز سيفتح مع أو بدون إيران»، كلها تعكس استراتيجية تقوم على فرض واقع ميداني بالتوازي مع المسار السياسي. في المقابل، لم تُبدِ إيران أي مؤشرات على تراجع جوهري، بل دخلت المفاوضات بشروط، وبخطاب يوحي بأنها تفاوض دون أن تتنازل.

الأخطر من ذلك، أن التهديدات المتبادلة لم تتوقف. بل تصاعدت. من واشنطن حديث واضح عن جاهزية عسكرية، ومن طهران تمسك بالمواقف ورفض للضغوط. وهذا يعني أننا لسنا أمام تهدئة، بل أمام مرحلة «إدارة التصعيد»، حيث يُستخدم التفاوض كأداة ضمن أدوات الصراع، وليس كبديل عنه.

تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكس هذه المعادلة بدقة. فهو لم يطرح المفاوضات كخيار وحيد، بل كمسار موازٍ للقوة. قال بوضوح إنه لا يثق بالكامل، ولوّح باستخدام القوة إذا فشلت المباحثات، بل وبدأ فعلياً بتحركات عسكرية. هذه الحالة توصف بـ«دبلوماسية الإكراه»، حيث تُستخدم القوة لفرض شروط التفاوض.

أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات هذه المفاوضات:

السيناريو الأول: نجاح مشروط ومؤقت، وفيه يتم التوصل إلى اتفاق سريع لفتح مضيق هرمز ووقف العمليات العسكرية، دون معالجة جذور الأزمة. هذا السيناريو هو الأقرب على المدى القصير، لكنه هش بطبيعته، وقابل للانهيار عند أول اختبار ميداني.

السيناريو الثاني: اتفاق أوسع يقود إلى تهدئة طويلة، وهو السيناريو الأكثر إيجابية، لكنه الأقل احتمالاً في ظل المعطيات الحالية. إذ يتطلب هذا المسار تنازلات متبادلة حقيقية، وضمانات دولية، وإعادة بناء حد أدنى من الثقة، وهو ما لا تظهر مؤشراته حتى الآن.

السيناريو الثالث: فشل المفاوضات والعودة للتصعيد، وهذا السيناريو قائم بقوة. خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية في المضيق، أو حدثت أي مواجهة مباشرة. في هذه الحالة، قد تتحول المفاوضات إلى محطة قصيرة تسبق تصعيداً أكبر وربما أوسع نطاقاً.

التحليل يوصلنا نتيجة هنا، إذ هذه المفاوضات لم تبدأ في بيئة طبيعية، بل في ذروة التوتر. وهذا يجعل نجاحها مرهوناً بتغيير قواعد اللعبة، لا فقط في إدارة تفاصيلها. وهنا لنتذكر بأن التفاوض تحت الضغط قد يحقق نتائج سريعة، لكنه لا يصنع استقراراً دائماً.

أما كيف تنجح هذه المفاوضات فعلاً، فذلك يتطلب ثلاثة شروط أساسية، أولها وقف متزامن وحقيقي للعمليات العسكرية، وليس مجرد تخفيفها. وثانيها وجود ضمانات دولية واضحة وملزمة لأي اتفاق يتم التوصل إليه. وثالثها، الانتقال من منطق «فرض الشروط» إلى منطق «تبادل المصالح»، لأن أي اتفاق يقوم على الإكراه وحده، سيبقى هشاً وقابلاً للانكسار.

نعم، بدأت المفاوضات، لكنها لم تبدأ بعد كمسار للسلام الحقيقي. اليوم نقف أمام لحظة مفصلية، قد تفتح باب التهدئة، أو قد تكون فقط هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من التصعيد. القرار هذه المرة، ليس فقط على طاولة التفاوض، بل للأسف في الميدان أيضاً.