أحد الأصدقاء وهو من الظرفاء، عاش الفترة الأطول من حياته في بلد غير بلده، وأحب ذلك البلد وأهله وتعلق به، وفي كل مرة يتذكر فيها بلده الأم، يقول: أنا ولدت في خطأ جغرافي، ليس هذا مكاني، وفي كل مرة يوجه له الكلام بالنقد الممزوج بالمدح، يرد بقوله: "ما لكم؟! أنا في الأساس خطأ جغرافي"!

في الحقيقة كلام صاحبنا الذي يلقيه مازحاً بين الحين والآخر، وجهة نظر معتبرة، فالجغرافية ليست دائماً نعمة خالصة، لا سيما لمن ينظر إلى الموقع والخيرات التي تدرها الجغرافية، فبعض المواقع تضع أصحابها في دائرة القلق المستمر، وفي هذه المنطقة من العالم، نشعر بذلك كلما ظهرت التوترات لتؤكد لنا أن جغرافيتنا القريبة من دوائر الشر تحولت عبر الزمن، إلى عبء ثقيل يفرض الحذر ويستدعي اليقظة، ولنكون منصفين وموضوعيين المشكلة لا تكمن في الجغرافيا وحدها، بل في طبيعة من يستوطنها وطريقة تفكيره وتوجهاته، فحين يكون الجار معتاداً على الاعتداء بطرق مختلفة مباشرة وغير مباشرة، يصبح القرب منه ليس مجرد تفصيل على الخريطة، بل عاملاً من عوامل التوتر الدائم. وهنا لا تعود المسافات مجرد أرقام، بل تتحول إلى ممرات للقلق، وقد أثبتت تجارب كثيرة في المنطقة أن بعض أنواع الجوار لا تمنح الاستقرار بقدر ما تختبره، فهناك دول وجدت نفسها، بسبب موقعها، مطالبة بأن تبقى أكثر انتباهاً من غيرها، وأكثر استعداداً لقراءة ما وراء المشهد، لأن الخطر لا يأتي دائماً في صورته المعلنة، ففي أحيان كثيرة يتقدم بصوت مرتفع، وأحياناً يتسلل بهدوء، وأحياناً يختبئ خلف أدوات أخرى، لكنه في جميع الأحوال يترك أثره في الوعي العام، وفي الإحساس بالأمان، وفي طريقة الناس في النظر إلى ما حولهم، وفي مثل هذا الواقع، لا تكون القوة في رفع الصوت، بل في صون التماسك، ولا تكون الحكمة في الإنكار، بل في إدراك أن بعض الجهات، بحكم تاريخها وسلوكها، جعلت جوارها مرادفاً للحذر أكثر من كونه مرادفاً للثقة، وهذا لا يعني أن الجغرافيا قدر لا يمكن التعامل معه، لكنه يعني أن حسن التعامل معها يبدأ بفهمها كما هي، لا كما نتمنى أن تكون، إن الدول التي تنجح في مثل هذا الامتحان ليست تلك التي تعيش في وهم الطمأنينة، بل تلك التي تحسن الجمع بين الهدوء والانتباه، وبين الرغبة في الاستقرار والاستعداد لحمايته، فهي لا تستسلم للقلق، لكنها أيضاً لا تستخف بمصادره، تعرف أن المنطقة ليست ساحة بريئة، وأن التاريخ لا يترك دروسه لمن لا يريد أن يتعلم.

يبدو أن بعض مواقع العالم تحمل معها امتحاناً دائماً لأهلها، فالجوار ليس دائماً راحة من الجميع، والقرب منه نعمة ومنه نقمة، وبعض الجهات تجعل من محيطها مساحة توتر أكثر مما تجعله مساحة اطمئنان.

* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية