أحمد جعفر

لطالما أجاد الإيرانيون لعبة الوقت في المفاوضات؛ فالتجارب السابقة أثبتت أنهم يمتلكون نفساً طويلاً وتصلباً في المواقف وقدرة لافتة على التسويف.

قبل إبرام «خطة العمل الشاملة المشتركة» العام 2015، استغرقت المفاوضات نحو عامين، فيما استهلك جو بايدن بعد عودته للبيت الأبيض في 2021 أشهراً، دون أن يصل لصيغة تعيد الإيرانيين إلى الاتفاق ذاته.

واليوم يريد دونالد ترامب التوصل لاتفاق سريع مع نظام بارع في إدارة المفاوضات، حسبما أقر الرئيس الأمريكي بنفسه، وهذه عملية صعبة حتى مع الضغط العسكري والاقتصادي الهائل الذي يواجه طهران.

لكن السؤال الذي يبرز حالياً: هل من مصلحة الولايات المتحدة التوصل لتسوية سريعة مع الإيرانيين؟!وعطفاً على مجريات الحرب التي امتدت نحو 40 يوماً، فإن المنطق الاستراتيجي يطرح مساراً مختلفاً للوصول لذات الغاية التي أطلق الأمريكيون والإسرائيليون نيرانهم تجاه إيران.

إن ما أتقنه الإيرانيون لعقود في طاولات المفاوضات، اليوم سيكون بمثابة سلاح للولايات المتحدة هذه المرة؛ فالمماطلة المدروسة من جانب واشنطن والدخول في محادثات طويلة ومفتوحة مع التخلي عن ورقة التلويح بالتصعيد العسكري مجدداً قد يكون خياراً أكثر جدوى حالياً مع نظام لا يعترف بميزان الربح والخسارة الذي تتعامل به الدول الطبيعية.

وتملك إيران أولوية تتمثل في رفع العقوبات الغربية لإعادة التوازن للاقتصاد المنهار قبل الحرب أصلاً، لكن النظام الإسلامي ينظر إلى القضايا من زوايا عقائدية دون أن يفكر في إدارة دول طبيعية يسخر فيها الثروات الطبيعية للبلاد والعباد.

لذلك، لا يبدو أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية ترضي واشنطن، حتى مع الحصار البحري الذي يحرم طهران من ملايين الدولارات من عائدات النفط يومياً؛ فصناعة القرار في طهران غالباً ما تُغلب الاعتبارات الأيديولوجية على الحسابات الاقتصادية البحتة، وهو ما يفسر تمسكها بخيارات تفاوضية معقدة وطويلة.

ومن هنا، فإن إبقاء العقوبات قائمة خلال مرحلة تفاوض طويلة يمثل عامل ضغط حاسماً، قد يعيد إنتاج الظروف التي دفعت الإيرانيين إلى الشارع في محطات سابقة، من احتجاجات الغلاء 2017 والوقود 2019 إلى تحركات البازار في 2025.

هذا لا يعني أن انهيار النظام نتيجة حتمية لهذا المسار، لكن المؤكد أن استمرار الانهيار الاقتصادي وتردي الأوضاع المعيشية، لا سيما في ظل البيئة الداخلية الحالية بعد الحرب، سيفتح الباب أمام دورة جديدة من الاحتجاجات الشعبية مما يشكل تحدياً جديداً للنظام.

وبالتالي، فإن كسب الوقت في المفاوضات مع إبقاء العقوبات يتحول إلى أداة استراتيجية لواشنطن بحد ذاته؛ فمفاوضات تمتد من عاصمة إلى أخرى، ستكون وسيلة لإدارة الصراع دون حسمه، في لحظة يعيش فيها النظام أضعف حالاته منذ 1979، بعد حرب استنزفت اقتصاده وأضعفت قدراته العسكرية، وأحدثت فراغات داخل بنيته القيادية.

ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من تحديات.

لذلك، يتعين على الولايات المتحدة قبل الانخراط في مفاوضات طويلة، ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، عبر الحصول على التزام واضح من طهران بعدم تعطيل حركة السفن التجارية وناقلات النفط، تفادياً لتحول أزمة الطاقة العالمية إلى كارثة اقتصادية شاملة مقابل ضمانات تتمثل في عدم العودة للحرب، مما يشكل أساساً لبداية أي محادثات طويلة.

وبينما تسعى إيران لإنقاذ اقتصادها وبدء مرحلة جديدة يمكنها إعادة تسليح نفسها وتخفيف الضغوطات المعيشية على ملايين الإيرانيين، يمكن للولايات المتحدة أن توظف الوقت لإعادة تشكيل ميزان الضغط، في انتظار لحظة داخلية قد تعيد رسم المشهد الإيراني من الداخل.

والرهان هنا على استنزاف طويل يضع النظام أمام اختبار داخلي قاسٍ، حيث لا تكون المفاوضات نهاية الصراع؛ بل تمثل إحدى أدواته كما العقوبات والحرب.