الصراع في منطقتنا تغيّر اليوم في صورته النمطية والتقليدية المعتادة، وتحوّل وللأسف إلى مواجهة واضحة بين نموذجين متناقضين تماماً.

النموذج الأول يتمثّل بدولة وطنية تنشغل ببناء الداخل. والثاني تجده في مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، تعمل بأسلوب الاختراق. وبين هذا وذاك، يتحدّد مستقبل الاستقرار، وتُرسم ملامح المرحلة القادمة.

الدولة الوطنية تستند على منظومة متكاملة من الاستقرار، والتنمية، والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب. الدولة الوطنية، مشروع يومي، يتجسّد في تحسين جودة الحياة، وتعزيز الأمن، وتوسيع فرص الاقتصاد، وبناء الإنسان قبل أي شيء آخر.

وعليه، فإن قوة الدولة الوطنية الحقيقية تُقاس بما تمتلكه من أدوات، بالإضافة إلى عمق ارتباط مواطنيها بها، وإيمانهم بأنها تمثلهم وتحمي مصالحهم.

في المقابل، تقوم المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود على فكرة مغايرة تماماً. هي لا تعترف بالدولة الوطنية كإطار جامع، بل تسعى إلى تفكيكها من الداخل، وإعادة تشكيل الولاءات وفق أجندات تتجاوز الحدود والسيادة.

هذه المشاريع تهدم الاقتصاد، ولا يهمها أي استقرار، وفي أساسها هي تتغذى على الفوضى، وتزدهر في البيئات الهشة التي تعاني من فراغات سياسية أو اجتماعية أو فكرية.

هنا لابد من إدراك ماهية «مشاريع العبور والاختراق» هذه، وأولها أنها لا تنجح إلا عندما تجد مساحة فارغة. فراغ في الوعي، فراغ في الثقة، والأخطر الفراغ في الهوية. وحين يُترك هذا الفراغ دون معالجة، يصبح مدخلاً سهلاً لاختراق المجتمعات، وبث الانقسام، وتحويل التحديات إلى أزمات داخلية.

مواجهة هذه المشاريع يكون بالبناء المضاد، لا بالشعارات المضادة. وهذا يبدأ أولاً، عبر تعزيز الهوية الوطنية، بحيث يشعر كل فرد أن انتماءه لوطنه يتعدى الهوية الرسمية، ويتحول إلى رابط حقيقي قائم على المصالح المشتركة والتجربة اليومية. وثانياً، عبر رفع مستوى الوعي، لأن المجتمعات الواعية أقل عرضة للتلاعب وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. وثالثاً، وهو الأهم، عبر عدم ترك أي فراغ يُستغل، سواء أكان اقتصادياً أو اجتماعياً أو إعلامياً.

الدول التي استثمرت في الداخل، واهتمت بمواطنيها، ورفعت منسوب الثقة بينهم وبين مؤسساتها، أصبحت أكثر قدرة على صد أي اختراق خارجي، مهما كان حجمه أو طبيعته. بينما التي أهملت هذه الجوانب، دفعت الثمن لاحقاً، حين تحولت تلك الفراغات إلى نقاط ضعف تُستغل ضدها.

المعركة هنا بين وعيين، وعي يبني الدولة من الداخل، ووعي يُستخدم لهدمها من الخارج. والانتصار في هذه المعركة يتحقّق بالتماسك، والإيمان العميق بأن الدولة الوطنية، حين تكون ملتصقة ومتحدة مع شعبها، تصبح عصيّة على كلِّ المشاريع التي تحاول تجاوزها أو اختراقها.