تمر على الأوطان لحظات لا يكفي فيها الصبر وحده، ولا يعود الصمت فيها حكمة مطلقة، بل تحتاج إلى موقف فاصل يعيد للحق اعتباره، وللوطن ميزانه، وللناس طمأنينتهم. وفي مثل هذه اللحظات، جاء حديث حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم لوسائل الإعلام، مسجلاً موقفاً ملكياً تاريخياً انتظره الناس بقلوب مثقلة، فاستقبلوه بصدور منشرحة.
ما إن نُشر حديث جلالته، حتى وجد فيه البحرينيون صوت الدولة حين يلتقي بوجدان الشعب؛ حديثاً عبّر عمّا اختزنته الصدور من غضب مشروع، وما حملته القلوب من وفاء ثابت، وما انتظره الناس من حسم يليق بكرامة الوطن. كان حديثاً دخل البيوت قبل أن يصل إلى العناوين، وأضاء ليلاً طال على كثيرين، وأراح نفوساً أثقلها الغضب، وأثلج صدوراً كانت تنتظر أن يُقال ما يجب أن يُقال، في الوقت الذي يجب أن يُقال فيه، وبالوضوح الذي يليق بالبحرين وهيبة دولتها. لم يكن التأييد الشعبي الواسع لهذا الحديث مفاجئاً؛ بل كان تعبيراً طبيعياً عن وحدة الموقف بين القيادة والشعب. فقد شعر الناس أن جلالته قال بلسان الوطن ما كان في صدورهم، وأن الدولة لم تترك مشاعرهم معلقة بين الغضب والانتظار، بل وضعتها في موضعها الصحيح: موقفاً وطنياً صلباً لا يساوم على البحرين، ولا يخفف من جرم من خانها، ولا يساوي بين الدولة ومن استهدف أمنها واستقرارها وسلامة شعبها. ولم يبق أثر هذا الحديث داخل حدود البحرين وحدها؛ فقد امتد إلى الخليج العربي كله. ذلك أن أمن البحرين ليس شأناً منفصلاً عن أمن أشقائها، ومن يعبث بدولة خليجية إنما يهدد البيت الخليجي بأسره. لذلك استبشر الخليج العربي بهذا الحزم البحريني، وقرأ فيه موقف دولة تعرف متى تصبر، ومتى تحسم، ومتى تقول كلمتها بلا تردد. لقد سجّل جلالة الملك المعظم موقفاً سيبقى حاضراً في ذاكرة الوطن؛ موقفاً أعاد الاعتبار لمعنى الولاء، وأكد أن الحرية لا تكون على حساب الدولة، وأن الوطنية لا تُقاس في مواسم الكلام، بل في ساعة الشدة، حين تنكشف الوجوه وتسقط الأقنعة.
إن البحرين اليوم تدخل مرحلة حسم وحزم، بل بثقة دولة قوية، ومجتمع متماسك، وشعب يقف صفاً واحداً خلف قيادته. وهذه هي الرسالة الأهم: أن الحسم لن يكون موجة عابرة، بل مساراً وطنياً متواصلاً لحماية البحرين، وصون وحدتها، وتثبيت أمنها.
في تلك الليلة، لم يتبدل مزاج وطن فحسب؛ بل تجدد العهد بين الملك المعظم وشعبه، وأدرك الجميع أن البحرين، حين تقول كلمتها، يشرق ليلها، ويفرح بيتها، ويطمئن خليجها.
فيصل العلي