من المضحك أننا في عام 2026 نحتاج أن نوضح أن «الجماعة» هي مرحلة تطور حضاري للبشرية، يجمع أفرادها قواسم مشتركة، ومن تلك القواسم منها مكان معيشتهم، لكنها مرحلة لا تصل إلى أن يطلق عليها دولة، فتأسيس الدولة وبالأخص الدولة الوطنية مرحلة تطور حضاري جاءت بعد قرون من التطور الاجتماعي والسياسي للجماعات، والأدهى أنه على نفس الأرض قامت دول على أنقاض دول، فالجماعة شيء والدولة شيء آخر.

الدولة هي الإطار والكيان السياسي الذي ينظم من خلال القوانين والمؤسسات علاقة البشر الذين يعيشون على أرض ما بعضهم ببعض، وينظم العلاقة بين تلك الجماعات والنظام السياسي الحاكم، أياً كان ملكياً أو جمهورياً أو حتى نظام ديني كالجمهورية الإسلامية، فالدولة الإيرانية على سبيل المثال، والتي جمعت تحت رايتها العديد من الجماعات هي التي تملك الحق السيادي في منح أو إسقاط الجنسية من أي فرد فيها، أياً كانت فترة وجوده على الأرض الفارسية، وكل الجماعات التي تعيش على أرض إيران أكبر عمراً من الدولة الحالية التي بدأت عام 1979م فقط، هذه الدولة الحديثة هي التي وضعت القوانين الحالية المعمول بها ومنها حق الجنسية الإيرانية.

لابد من التفرقة بين الأرض وبين الدول، بين الجماعة وبين الدولة، وأن مجرد وجودك على الأرض لا يعني أنك تحت ظل دول أو حتى تنتمي لهذه الدولة، إنما التزامك بقوانين الدولة وقبولك بالولاء لها هو ما يمنحك صك الانتماء لها، وانظر حولك لشعوب حضارتها أقدم من الميلاد ودولتها ضعيفة وعاجزة عن توفير أبسط الاحتياجات الأساسية كالأمن والرخاء، أو حضارة قديمة كالحضارة الفارسية إنما دولتها الحالية لا يتجاوز عمرها 47 سنة، والإعدام لمن يخونها يحدث الآن دون حتى محاكمة.

هذه المفاهيم التي من المفروض أن تكون بديهية عند جميع المواطنين لكنها مازالت مبهمة وغير واضحة ويعيث فيها المضللون فساداً دون رادع قانوني ودون حملة تفنيد.

نحن في البحرين نعيش تحت ظل دولة تأسست منذ عام 1762 م حين بدأت في الزبارة وامتدت حتى شملت أرخبيل البحرين عام 1783 م، مستمرة إلى يومنا هذا، منذ تأسيسها حين أصبح الحكم عربياً فيها، وتدرج في نظم الحكم من مشيخة إلى إمارة إلى دولة وطنية، ومنذ أكثر من 250 عاماً هذه الدولة قائمة.

هذا الواقع السياسي هو الذي يمنحك تلك الوثيقة المسماة جنسية، ويضع على جميع حامليها التزامات لابد من العمل بها، حتى تتمكن من بعدها أن تطالب بحقوقك كمواطن، هذا ما تعارف عليه المجتمع الدولي برمته، بما فيهم دولة الولي الفقيه، هذا هو دور الدولة في كل العالم، وليس بدعة بحرينية حتى تقبلها أو ترفضها كما يروج للبسطاء، وتضللهم ماكنة إعلامية تعمل ليل نهار على خلط الأوراق.

أبسط مثال أنت كمقيم في أي دولة أجنبية ملزم باتباع قوانينها لمجرد إقامتك فيها، مجبور على قبول ما تسنه تلك الدولة من أوامر لك، تقف حين تقول لك قف، تتراجع حين يقولون لك تراجع، تدفع حين يقولون لك ادفع، وتقوم بذلك صاغراً طائعاً، لمجرد أنك تطلب الإقامة فيها، فما بالك حين تريد أن تحمل هويتها، وتنتمي لها؟

هذه المفاهيم التي هي ألف باء المواطنة تحتاج مع الأسف ونحن في عام 2026 أولاً إلى منظومة تشريعية تجعل من الولاء للدولة فرضاً إلزامياً، وتربط أي مكتسب بذلك الولاء وبأي ترخيص لأي نشاط للمواطنين أياً كانت طبيعته دينياً أو ثقافياً أو تعليمياً.

كما أن هذه المفاهيم لابد أن تكون موضع نقاش علني يعيد لتلك المسلمات اعتبارها، ويدخل إلى كل مؤسسة فرضا ًلا اختياراً بنقاش رصين، ويعرض أفكار كل من يعلن أو يلمح إلى غير ذلك للجدل العلني، انتهى زمن القبول بأي خصوصية إن كانت تعارض الدولة، بل والأدهى تفرض على الدولة أن تعطيها كل حقوقها.

ونكمل في المقال التالي

- ملاحظة:

لا تخلطوا بين الاختلافات السياسية، والاعتراض على سياسة الحكومة، وبين الولاء للدولة كما جرت عادتكم، فالأولى مشروعة ولها ضوابطها، والثانية إلزامية ولرفضها عقوبة.