هيفاء عدوان

ثلاثة عناوين رئيسية تضمنتها الرسالة الملكية السامية، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، عكست ثوابت وطنية بحرينية، تضمن التوازن التام بين حرية التعبير والرأي، كما كفلها الدستور، وإعلاء المصلحة الوطنية باعتبارها أسمى غايات العمل الإعلامي والصحفي، والحرص على المهنية الإعلامية، كأداة قادرة على نقل الحقائق ومرآة عاكسة لتطلعات الشعب.

وبدون شكل فإن الرسالة الملكية تضعنا جميعاً أمام رؤية مكتملة تعيد ترتيب العلاقة بين الإعلام والدولة والمجتمع، ورسالة تذكير بمسؤولية الكلمة وحدودها وأثرها.

حرية التعبير، كما جاءت في الرسالة، تمثل ممارسة حقيقية لكل العاملين في المجال الإعلامي، لكن بوعي كامل، وفي هذا المعنى، تبدو الحرية أقرب إلى التزام أخلاقي منها إلى امتياز مهني، فالكلمة الحرة حين تنفصل عن المسؤولية تفقد معناها، وحين ترتبط بالحقيقة تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على صناعة الفارق.

أما المصلحة الوطنية، فهي الإطار الذي يمنح هذه الحرية معناها الحقيقي، فالإعلام الذي لا يرى وطنه ولا يضع استقراره ضمن أولوياته يفقد بوصلته ورسالته، لذلك فقد كانت الرسالة الملكية واضحة في هذا السياق، حين أكدت أن الإعلام الوطني، في أوقات التحديات، هو خط دفاع لا يقل أهمية عن أي مؤسسة أخرى، وهو توصيف دقيق لدور الإعلام حين يكون في موقعه الصحيح.

وخلال مسيرتي الممتدة في العمل الإعلامي بمختلف المواقع، لمست على مدى سنوات حجم التطور الذي عاشته الصحافة البحرينية في العهد الزاهر لجلالة الملك المعظم، والذي انعكس ليس فقط في إطلاق عدد من المؤسسات الإعلامية الوطنية فحسب، بل أفخر أنني كنت شاهدة عيان على ما عاشه الإعلام البحريني من تطور مهني واحترافي، نجح في أن يكون المرآة العاكسة لكل أبناء المجتمع، مع حفاظه على مصالح الوطن العليا، دون التفريط بأهمية قواعد العمل الإعلامي الاحترافي.

المهنية الإعلامية، وهي الركيزة الثالثة، تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ففي زمن السرعة وسهولة النشر وتضخم المنصات، تصبح المهنية هي الفاصل الحقيقي بين إعلام وطني رزين وإعلام يلهث خلف الإثارة، المهنية تتجلى في أهم صورها في احترام عقل المتلقي.

ما يلفت في الرسالة الملكية هو هذا الإصرار على أن الإعلام ليس مجرد مهنة، بل شراكة حقيقية في بناء الدولة، شراكة تقوم على الثقة والإدراك بأن الكلمة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من أي قرار.

وأخيراً؛ فإن حرية بلا مسؤولية تفقد الإعلام قيمته، ومصلحة وطنية بلا إعلام حر تفقده روحه، ومهنية بلا ضمير تفقده مصداقيته، وبين هذه الثلاثية تتشكل هوية الإعلام الحقيقي الذي لا يكتفي بأن ينقل الواقع، بل يسهم في صناعته.