د. إيناس محمد سرج

كان تحذير جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه في حديثه عن خطورة تزييف الوعي ودعوة جلالته لبناء المناعة الوطنية لا يمثلان تشخيصاً دقيقاً لتهديد عابر فقط، بل هما خارطة طريق استراتيجية علمية لحماية الجبهة الداخلية من حروب الجيل الخامس الرقمية التي تستهدف تدمير الثقة المجتمعية وتزييف الوعي.

ما طرحه الصحفي الأمريكي المعروف John R. MacArthur في كتابه Second Front: Censorship and Propaganda in the Gulf War حول اعتبار الإعلام هو الجبهة الثانية الموازية للجبهة العسكرية في أوقات الحروب، يمكننا من فهم التحولات الراهنة في توظيف الإعلام الرقمي ضمن سياقات الحرب النفسية والتأثير السياسي ضد البحرين، والذي استهدف بث روايات مضللة وإثارة البلبلة ونشر الشائعات ومحاولات التأثير في الرأي العام. فلم تعد المعارك تدار فقط عبر الأدوات العسكرية التقليدية، بل أصبحت المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي فضاءً عاماً لهذه الحروب.

إن هذه الآليات الجديدة تستهدف العقول والوعي، ولا تستهدف الأبنية والمنشآت، تستخدم التطبيقات الذكية لا الأسلحة الميكانيكية، تعتمد على القوى الناعمة لا الخشنة التقليدية، وصارت البيئة الرقمية هي ساحة هذه المعركة لتحقق أغراضها دون خسائر في المال أو العتاد أو الأرواح، ودون أن يعاقبها قانون، أو تلاحقها جهات ومؤسسات، وهذا مكمن خطورتها ولذلك أضحت أكثر تعقيداً وتأثيراً، بل وأضراراً بالشعوب المسالمة.

ما شاهدناه خلال اعتداءات الأسابيع الستة على البحرين من ضخ محتوى رقمي مضلل، مرئي ومسموع، وأخبار كاذبة وقلب للحقائق جميعها موجهة عبر توظيف الإعلام الرقمي الإيراني المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وفبركات التزييف العميق التي تداعب الميول النفسية لقلة من البشر، كان يستهدف تحقيق الأغراض الإيرانية الساعية إلى تزييف الوعي وإشاعة حالة اللايقين وتفتيت وحدة الصف وإجهاض شرف المقاومة.

على الجانب الآخر، كانت الجهود الكبيرة والحرفية العالية التي قامت بها إدارة الإعلام الأمني ووزارة الداخلية والمؤسسات الإعلامية الوطنية ووزارة الإعلام، عبر تنسيق عال في الخطاب الإعلامي الأمني خلال الأزمة اتسم باستباقية معلوماتية وتقنية تمكن الخطاب بكفاءة وموضوعية، من توعوية وطمأنة المواطن والمقيم وتفكيك السرديات المضللة وإجهاض الفبركات البصرية الإيرانية في مهدها، ولذلك كشف الزيف الإيراني للعالم وساعد على استقرار الجبهة الداخلية في الداخل، لأنه كان محتوى رقمي رصين استهدف بناء المواطنة الرقمية الإيجابية، وانتقل بالمواطن من دور المتلقي الحذر إلى صانع المحتوى المدافع عن إنجازات وطنه، ليتحول كل مواطن إلى جندي شريف وكل حساب بحريني على وسائل التواصل إلى منصة لإطلاق عبارات الرفض للاعتداءات ودعم وتأكيد الولاء للقيادة الرشيدة والالتفاف حول راية الوطن، فتحولت الاعتداءات إلى انتصارات وزادت الجسد الوطني قوة ومتانة واتحاداً.

لذا، فإن المناعة الوطنية التي دعا إليها جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه في حديثة هي حجر الأساس في مقاومة الأفكار الواردة من الفضاءات الرقمية عبر جعل المواطن هو خط الدفاع الأول وشريك في المسؤولية.

من هذا المنطلق، فإن حديث جلالة الملك المعظم يستشرف مستقبلاً تشابكت فيه السيادة الوطنية بالقدرة على حماية العقول، ومن خلال هذه الرؤية الاستراتيجية الحكيمة، تنتقل مملكة البحرين إلى مرحلة التحصين الشامل ضد أي أفكار وافدة دخيلة على المجتمع، لتظل جبهتنا الوطنية عصية على الاختراق، وحائط صدٍ منيع يتسلح فيه كل مواطن بالوعي باعتباره الضمانة الأكيدة لأمن الوطن واستقراره.