منذ أن تطرق معالي وزير الداخلية إلى اسم العلامة الشيخ سليمان المدني رحمه الله واستذكاره له في كلمته خلال لقائه بعدد من المواطنين عندما قال: «رحم الله الشيخ سليمان المدني الذي كان واضحاً في موقفه، لكن تم إرهاب من يصلون خلفه ومن هم حوله»، وهذه الجملة انتشرت بصورة مكثفة، وتم البدء بالبحث عما تعرض له الشيخ سليمان المدني من إرهاب فكري وتهديد ووعيد، ولكن رحلة البحث عن المعلومات لن تجدها في المقالات الصحفية أو ما نشر في المواقع الإلكترونية التي تقودك إلى اغتيال عبدالله المدني أكثر منه، فكانت المعلومات عنه تقتصر على سيرته، ومتى ولد، وعلى يد من تتلمذ، وعن فكره ومناقبه والجماهيرية التي كان يحظى بها وحتى وفاته.
هذه الكلمات فتحت أبواب البحث لمعرفة ماذا تعرض له المدني، لكن الإجابات كانت عند أهل منطقته «جدحفص» ومن رافقه في مسيرته العلمية والاجتماعية، ولكنها كلها غير موثقة، والتاريخ المحفوظ عنه هو سيرته، وحتى في موقعه الإلكتروني، لم يسجل ما تعرّض له من إرهاب على يد من يخالفه في الفكر والتوجّه.
ولمعرفة ما تعرّض له عليكم بقراءة خطبه ومحاضراته تحت خانة الكلمات السياسية، وهناك ستجدون جزءاً بسيطاً مما ذكره بلسانه عما تعرّض له، وسوف أقتبس مقاطع من بعض خطبه لمعرفة ما تعرّض له، منها «توضيح»، والتي تحدث فيها عن حملة التشويه له ولبعض العلماء، وقال فيها:
«بالنسبة لي، في كل صبيحة يوم وعشيتها أسمع إشاعة تقال عني في البحرين لا علم لي بها ولا خبر، وحتى في الأيام المتأخرة حاولوا أن يأخذوا فقرات مبتورة من الخطب التي ألقيها ليشوّهوا بها عليّ كما كانوا يفعلون في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من بتر الألفاظ في المحاضرات التي أقولها أو في أجوبة المسائل التي أُجيب عنها ويدبلجونها في أشرطة ويدورون بها على الناس، أيضاً قاموا بهذه العملية في هذه الأحداث وأخذوا يحاولون بتر فقرات من الخطب والكلمات والمحاضرات التي أقولها ليشوّهوا بها عليّ. ولقد أعلنت فوق منبر الجمعة أن أي جملة أو فقرة أو غير ذلك تُبتر، لا أعترف بها ولا تُنسب إليّ، وحتى في الخطب المتأخرة، كالخطبة التي ألقيتها في اليوم الرابع من محرم الحالي، قطعوا منها بعض الفقرات وأخذوا يدورون بها على الناس ليشوّهوا بها عليّ، بل إن بعض أتباع هذه الأحزاب، وفي مساجد قريبة من هذه البلدة، علّقوا منشورات بخط أيديهم يدعون فيها أنني قلت كذا وكذا، والحال أنني لم أقل، والخطب كلها ولله الحمد مسجلة ومكتوبة وغير ذلك، وهذه المفتريات لاتزال ماضية». انتهى الاقتباس.
وبنفس المحاضرة التي ألقاها في 26 يونيو عام 1995، تطرّق إلى حادثة أخرى بقوله:«واستمر الحال في هذا الموضوع إلى أن جاء اليوم العاشر من شهر أبريل من هذا العام، أي سنة ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، اتصل بي شخص مجهول من خارج البحرين، وقال لي عليك أن تستقيل من القضاء، لأنه إذا لم تستقل فإنك تتسبب في حرمان الشعب من حقوقه، وأمثال ذلك من الكلام.
قلت له: يا أخي إنني لا أؤمن بالتصعيد وإنما أؤمن بالتهدئة والحوار، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من المطالب عن طريق الحوار، وأخذ يصرخ في الهاتف صراخاً شديداً، على أي حال تركته وسددت الهاتف في وجهه، وفي الحقيقة لم أعرف هذا الشخص لأنني لست متأكداً من صوته تماماً، وبعد أيام قليلة، وفي يوم 16 أبريل بالضبط، وصلت إليّ رسالة بالفاكس من خارج البحرين فيها من الشتم والافتراء والتقريع والبهتان والزور ما شاء الله، صفحة كاملة من صفحات الفاكس، ومع ذلك يقول في آخرها إنه لا يريد التشهير بي، وإنما يريد أن ينصحني قربة إلى الله تعالى، وظننت أن الكلام من هذه الجماعة سيكون حقاً، ولكن عندما سافرت إلى الحج ووصلت إلى مكة، اتصل بي أحد الطلاب الذين يدرسون في إحدى البلاد الأوروبية ليسألني عن بعض المسائل، وبعد أن انتهى من المسائل الشرعية التي كان يودّ أن يستفسر عنها، قال لي يبلغك السلام فلان وفلان وفلان، وهم جماعة من العلماء الذين في الخارج، وقال إن هؤلاء العلماء يأسفون للجماعة في الرسالة التي أصدروها ضدك وهم يتبرؤون منها، ولكن ليس بإمكانهم أن يعملوا شيئاً، قلت له: ما دامت أنها أُرسلت لي شخصياً ولم تُنشر، سأسامح من كتبوها، قال: لا، لقد عُمّمت ووُزّعت، وفعلاً عندما رجعت إلى البحرين وجدت هذه الرسالة قد عُمّمت على كل من عنده فاكس، ووُزّعت في المساجد، ورُميت في المآتم، ونُشرت في جميع القرى وجميع المدن، وربما في خارج البحرين أكثر».
وفي محاضرة أخرى تحت عنوان «رسالة»، تطرّق فيها لحملة التشويه التي يتعرّض لها وغيره من العلماء، وفيها:«أما بالنسبة لي فأنتم والبحرين كلها تعلم أن القوم لم يكن استهدافهم لي جديداً، فقد مضت عشر سنوات أو تزيد لا توجد مناسبة إلا وتكثر عني الافتراءات والإشاعات في كل مكان، هذا أمر ليس بالجديد، مضى عليه عشر سنوات أو تزيد، ولكنني أحمد الله على أن القوم لحماقتهم ولجهلهم لم يعتمدوا في يوم من الأيام على حقيقة، لم ينطقوا بكلمة صدق، كل ما عندهم أمور مخترعة مختلقة؛ لقد مضت أجيال وهم لا يتركون وصمة إلا وصموهم بها، فلان عميل، فلان خائن، فلان كذا وهكذا، ماذا يريد هؤلاء الناس؟ هل يريدون إسقاط القيادات الدينية في هذا البلد ليتمكنوا من سَوق الناس في الاتجاه الذي يريدون؟ أعتقد أنهم لن يتمكنوا من ذلك، وإن الله سبحانه لن يمكنهم من ذلك، وإن وعي الناس، وإن إدراك الناس في هذا البلد لهذه الدسائس، لابد وأن ينكشف».
وفي محاضرة ثانية اسمها «تحريف الكلم» يتحدث فيها عمّن يصفون من يختلفون معهم في الفكر والرأي بأنهم «خونة»، حيث تساءل الشيخ سليمان المدني «ما هو معنى الخيانة؟ ومن يُطلق عليه خائن ومن لا يُطلق عليه خائن؟»، وأخذ يسرد مفهوم الخيانة بأنها النقض في العهد وليس الاختلاف في الرأي.
طبعاً هذه أجزاء من خطب الشيخ التي تطرق فيها لما تعرض له من إرهاب وتهديدات له وللعلماء ممّن معه، الداعين للهدوء والسلم ونبذ التصادم والعنف كحلول سياسية، وهذا جزء مما ذكره على لسانه، ولكن الخافي أعظم، وهذه السيرة تفتح الباب على أهمية التوثيق بكل تفاصيله الجميلة والقبيحة لتكون الصورة واضحة، فالحقيقة لا تغطيها الشمس، ولنعرف المشكلة وأصلها وفصلها لحلها من جذورها.
الشيخ المدني لم يصمت ولم ينسحب بل واجه وأصر على مواقفه الوطنية دون أن يخاف في الحق لومة لائم.