فيصل الشيخ

في كل تنظيم متطرف، أو مشروع يحمل أجندات خفية، هناك تصنيف لأخطر الأشخاص عليه، والذين يجب منعهم من الكلام ونشر الأمور، هذا التصنيف تعتمده بالفعل هذه التنظيمات بداخلها، ويشكل لها عبئاً وهماً ثقيلاً.

قد تستغربون هنا حين نقول بأن أخطر الأشخاص ليسوا الخصوم التقليديين، بل أولئك الذين كانوا يوماً جزءاً من هذه التنظيمات، وعرفوا طريقة تفكيرها، واطلعوا على آليات عملها، ثم قرروا الانفصال عنها، وكشف حقيقتها للرأي العام. هؤلاء هم من يوصفون بـ“المنشقين” الذين تخشاهم مثل هذه الجماعات أكثر من أي شيء آخر.

حينما يخرج شخص من داخل أي تنظيم أو مشروع عقائدي مؤدلج، ثم يبدأ بسرد ما كان يدار خلف الكواليس، وكيف كانت تتم عمليات التأثير والتجنيد وصناعة الأتباع، فإنه يهز صورة هذا التنظيم أمام جماهيره، لأنه يتحدث من واقع تجربة ومعايشة، لا من باب التحليل أو التخمين.

لهذا نرى كثيراً من التنظيمات المتطرفة أو الولائية تعتبر المنشقين عنها أهدافاً يجب إسكاتها أو تشويهها أو محاربتها، لأن شهاداتهم تفضح الكثير من الأسرار والخطط التي كانت تعمل في الظل.

في حالتنا البحرينية، نحن لا نتحدث فقط عن “انشقاق” بمفهومه التقليدي، بل نتحدث عن ”صحوة وطنية“ وتصحيح مسار وارتفاع في مستوى الوعي الوطني لدى أشخاص اكتشفوا أن بعض الشعارات التي كانت تُرفع أمامهم لم تكن سوى أدوات لتطويع الإرادات وغسل العقول وتحويل الإنسان إلى أداة تعمل ضد وطنها وأهلها.

حاول المشروع الإيراني، عبر أدواته الفكرية والتنظيمية القائمة على مفهوم “ولاية الفقيه”، أن يصنع ولاءات بداخل الدول التي يستهدفها، وأن يجند بعض الشباب عبر خطاب عاطفي وديني مسيّس، بهدف سلخهم عن هويتهم العربية والوطنية وتحويلهم إلى ما يشبه “الطوابير الخامسة” التي تعمل ضد استقرار أوطانها من الداخل. وبعض الناس بالفعل انجرفوا خلف هذه الطروحات في مراحل معينة، لكن الفارق الحقيقي يظهر حينما يكتشف الإنسان الحقيقة ويملك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه وتصحيح قناعاته.

اليوم، من الأمور الإيجابية التي نراها بوضوح في البحرين، تنامي الأصوات الوطنية الواعية، ومن بينها أشخاص لا يخفون أنهم في يوم من الأيام اقتربوا من ذلك الفكر أو تأثروا ببعض أطروحاته، لكنهم حينما أدركوا خطورته على البحرين وعلى النسيج الوطني، قرروا الوقوف ضده وكشف أساليبه وخطورته على المجتمع. هذه الأصوات تحديداً تثير قلق أصحاب المشاريع الولائية، لأنها تتحدث بلغة التجربة والمعرفة، وتفكك الخطاب من الداخل.

هذا الأمر ليس جديداً على تاريخ الحركات العقائدية المرتبطة بإيران. فحتى داخل الثورة الإيرانية نفسها ظهرت شخصيات كانت مؤمنة بمشروع الخميني في بدايته، ثم اصطدمت لاحقاً بحقيقة “ولاية الفقيه” حينما تحولت إلى سلطة مطلقة تحتكر القرار وتصادر الحريات وتتعامل مع المرشد كأنه فوق المساءلة والمحاسبة.

أبرز مثال على ذلك المرجع الديني علي حسين منتظري، الذي كان في مرحلة من المراحل المرشح الأبرز لخلافة الخميني كمرشد أعلى لإيران. منتظري لم يكن خصماً للثورة في بدايتها، بل كان من أبرز رجالها، لكنه اعترض لاحقاً على فكرة تحويل المرشد إلى سلطة مطلقة غير قابلة للنقد أو المحاسبة، وانتقد الإعدامات والاغتيالات وتقييد الحريات وقمع المعارضين. وكانت النتيجة أن تم عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية، لأنه تحول إلى مصدر خطر فكري وسياسي على مشروع ولاية الفقيه.

هذا ما يؤكد أن المشاريع المؤدلجة تخشى دائماً من الذين كانوا يوماً جزءاً منها، ثم اكتشفوا حقيقتها، لأنهم يملكون القدرة على كشف التفاصيل الدقيقة التي لا يعرفها الآخرون. باختصار لأنهم ”يعرفون الكثير»، ولأنهم «يعرفون الحقيقة“.

في البحرين اليوم، تتقدم الصحوة الوطنية بصورة واضحة، والفضل بعد الله يعود إلى حكمة قيادة جلالة الملك حمد المعظم حفظه الله ورعاه، وإلى السياسات والإجراءات التي تستهدف حماية جميع أبناء الوطن بمختلف مذاهبهم وانتماءاتهم، وخاصة أبناء المذهب الشيعي الذين حاولت الجهات المحسوبة على ولاية الفقيه والتابعة للنظام الإيراني، اختراقهم واستغلالهم سياسياً وفكرياً ومذهبياً.

الوطنية الحقيقية هي أن يكون الإنسان منحازاً لوطنه قبل أي مشروع آخر، وأن يدرك أن أمن البحرين واستقرارها وكرامة شعبها يجب أن تكون فوق كل الاعتبارات. واليوم، كلما ازداد عدد الذين يراجعون أفكارهم، ويكشفون مخاطر هذه المشاريع، كلما ضاقت المساحة أمام من يحاول العبث بأمن بلادنا أو تحويل أبنائها إلى أدوات تخدم أجندات خارجية.

حفظ الله البحرين، وحفظ دول الخليج العربي، وأبعد عنها شر الفتن والعملاء وكل المشاريع التي تستهدف أمنها واستقرارها ووحدة شعوبها.