فتحي سلطان

بينما كنت في زيارة لأحد الأصدقاء من دولة عربية قبل أكثر من عشرين سنة، واستقبلني في مكتبته الصغيرة في بيته وكانت الكتب متناثرة، وقع نظري على «مطوية»؛ فشدني عنوانها، وهي على ما أذكر بعنوان: «الخطة الخمسينية» للثورة الإيرانية؛ فأخذتها متصفحاً لها، وظهر لي وأنا أتصفح تلك الرسالة أن القوم عندهم مشروع طويل وخطير، وأنهم يحيكون هذا المشروع بصبر ودهاء، بعد أن فتحت لهم البوابة الشرقية من الوطن العربي بعد إذ لم يكن العراق حامياً لهذه البوابة.

ومن يتأمل الزمن في هذه الخطة الخمسينية؛ يلحظ أن «مرحلة قطف الثمار» في هذه الخطة تبدأ تقريباً في سنة 2026-2027؛ لأن الخطة وضعت أركانها وركّبت عناصرها قبل وصول الخميني إلى الحكم بثلاث سنوات أو بسنتين؛ وبموجب هذه الخطة تتمكّن بما تسمّى بالثورة الإيرانية ممثلة بمبدأ ولاية الفقيه (!!) من الهيمنة على دول الخليج وبعض دول الشرق الأوسط وفرض وصاية «ولاية الفقيه» عليها من الناحية الدينية والسياسية والاقتصادية كتصدير للمشروع الصفوي الاستراتيجي إلى خارج إيران بحيث تكون إيران أقوى دولة في الشرق الأوسط ذات طابع ديني طائفي.

لكن في سنة قطف الثمار ولحظة اكتمال حياكة السجاد في الظلام بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً، وقع الذي لم يكن في الحسبان -وهذا من نعمة الله وتمام فضله على الإسلام وأهل هذا البلدان- أن سنة قطف الثمار هي بداية النهاية، وفيها بوادر السقوط وإرهاصات الزوال ليبدأ الحديث من قلب طهران عن «تغيير النظام وسقوطه»... والحمد لله من قبلُ ومن بعد.

وهنا سؤال يفرض نفسه: هل سينتهي هذا المشروع ذو الطابع التوسّعي والطائفي بالقوة العسكرية؟والجواب على هذا السؤال يكون من خلال التذكير بأمرين مهمين:

الأول: بحكم العادة الغالبة لا يلزم من سقوط رموز هذا النوع من المشروع زوال المشروع نفسه؛ إذاً آثار هذا المشروع والدعوة إليه والترويج له تبقى لفترة من الزمن تحاول وتكافح من أجل بقائه أو إحيائه بعد موته.

والأمر الثاني: أن المشاريع التي تحمل الأيديولوجيات المتطرفة لا تزول إلا بمشاريع على الضد منها تحمل مفاهيم الوسطية والتنمية والحفاظ على الهوية والمكاسب التاريخية.

فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي لإزالة هذه النوع من المشاريع؛ وإنما قد تضعفها أو تؤخرها فترة من الزمن؛ ثم بعدها تعود تلك المشاريع الخطيرة بأسماء وعناوين ورموز جديدة؛ فالفكر لا يزول إلا بالفكر.

والخطة الخمسينية المُشار إليها سابقاً هي في الحقيقة خطة استراتيجية مركّبة من عناصر معقّدة؛ لهذا يجب أن تُقابَل بالمشاريع الاستراتيجية لا بالمواقف الآنية أو بالحلول الوقتية.

ومن هنا، فإن دول الخليج اليوم تحتاج إلى «المشروع الاستراتيجي الشامل» في عناصره ومتطلباته لمواجهة هذا المشروع التوسّعي؛ فهي تحتاج إلى «مشروع استراتيجي» مكوّن من هرم ثلاثي الأبعاد؛ وكل بُعد فيه هو عنصر جوهري في تكوينه ووجوده واستدامته؛ وهذه الأبعاد أو العناصر هي:الأول: العدو الاستراتيجي.والثاني: الدفاع الاستراتيجي.والثالث: الشريك الاستراتيجي.فيجب التعامل على افتراض أن هذا النوع من العدو هو عدو استراتيجي لا عدو مرحلي، وأن دفع خطر هذا العدو لا يكون إلا بجعل «الدفاع عن الأوطان» وحفظ هويته ودينه وتاريخه من القضايا الاستراتيجية، وأن الدفاع عن الخليج وهو مهد الحضارات ومنبع الثروات ومصدر الطاقات وامتداد الحضارات لا يتحقق إلا بوحدة الصف الوطني والخليجي، وبالتحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وبالسياسة الخارجية المتوازنة، وبالاعتماد على الذات في مواجهة التحديات والمتغيرات.

فهذه هي ثلاثية الأبعاد للمشروع الاستراتيجي الخليجي الذي لا سبيل لدفع المشروع التوسعي الطائفي إلا به، وهو يرتكز على افتراض وجود العدو الاستراتيجي، والدفاع الاستراتيجي، والشريك الاستراتيجي معاً.

إن صُناّع القرار في دول الخليج العربي -اليوم- يتعاملون مع هذا المشروع الخطير بأعلى درجات اليقظة والحكمة والحزم والوعي، بعد أن قوبلت مبادراتهم إلى السلام وحُسن الجوار بالاستكبار والعدوان، لهذا استُبعدت كل افتراضات حُسن النية في التعامل.مع الطموحات التوسعية للنظام الإيراني؛ فقد كشف هذا النظام عن أنيابه ونياته العدوانية باتجاه الخليج وكثير من دول المنطقة، وأدرك العالم خطر هذا النظام بالمعاينة لا بمجرد التخمين والسماع.

وإذا كان أهل السياسة وأصحاب الحياكة لهذا المشروع الطائفي قد تأثروا ببيئتهم حتى ظنوا أن مجرد الصبر على حياكة المفاوضات وزرع الفتة في كل المجتمعات تكفيان للنجاح والهيمنة على المنطقة؛ فهم واهمون كل الوهم؛ فالحياكة بلا عدل ولا حق مشاريع فاشلة وتجارة خاسرة؛ كما قال تعالى في القران: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً).