في زحمة المحتوى الرقمي، وما يتلاطم فيه من صخب وسطحية، تظهر أحياناً أصوات تستوقفك، وتلزمك بإعادة تشغيلها والاستماع مرةً ومرتين، ليس لأنها كلمات أغنية بلحن عذب، بل لأنك تريد استيعابها، بعدما أيقنت من المرة الأولى أنها حقيقة. صادفت قبل أيام قليلة مقطعاً في تيك توك، لا أعرف صاحبه، ولم تظهر صورته، لكن كلامه كان من تلك النوعية النادرة التي تختصر لك سنواتٍ من التجربة في جملٍ قليلة بليغة، وهذا المقال ليس أكثر من محاولة للتأمل فيما قاله ذلك الفصيح.

قال من بين ما قال صاحبنا: «الحاجة تهينك عند من لا يعرفك، وترخّصك عند من يعرفك» وقفتُ عند هذه الجملة طويلاً، فالإنسان حين يبتلى في حاجة الآخرين، يدخل معهم في علاقة غير متكافئة؛ الغريب منهم يراه ضعيفاً، والقريب يراه تحت أمره في أي وقت، وفي كلتا الحالتين، ثمن حاجته للآخرين هو الكرامة، لكن الأهم من ذلك ما أضافه، «أن تسعين بالمئة من الاحترام والهيبة والتقدير مصدرها شيءٌ واحد وهو الاستغناء»، بالتأكيد ليس هناك إحصائية علمية حددت نسبة الـ90%، ولكن في الوقت نفسه النسبة التي ذكرها ليست مبالغة خطابية؛ إنما هي ملاحظة دقيقة لطبيعة البشر وسلوكياتهم، فنحن نرى دوماً أن البشر يكرمون المستغني ليس لأنه أفضل من غيره، بل لأنه لا يحتاج إليهم، وهذا ما يجعل منه نِدّاً لهم لا طالباً منهم. ثم أكمل كلامه عن المال بفلسفة ليست معتادة، فكلنا يعرف أن فوائد المال تتجلى في المتعة، والراحة، والرفاهية، والمكانة الاجتماعية، والعطاء، وهي فوائد حقيقية لا تُنكر، لكن أكبرها وأهمها ما أشار إليه، وهو أمر لا يُلفت إليه أحد، المال يمنح صاحبه الاستغناء، ما يعني القدرة على عدم الاحتياج، وهذه وحدها أعظم من كل ما سواها من فوائد ولو جاءت مجتمعة كلها.

ثم تساءل صاحبنا عما هو أسوأ ما في الفقر؟ فأجاب بأنها الحاجة للآخرين، وكلامه دقيق أيضاً، فالفقر ربما يرافقه الجوع، والحرمان، لكنْ كلاهما لا يكسر كبرياءه، طالما لم يجبر على مد يده والحاجة للآخرين، فالحاجة نوع من الإذلال، وهي أشد على النفس من الجوع والحرمان، العجيب أن البشر يشتهون الصد والإعراض عمن لا يستغني عنهم، بينما يشتهون القرب من المستغني عنهم، وإن لم تكن لهم عنده حاجة، المستغني يكسب اهتمام الآخرين، لا لذكائه أو سخائه عليهم، إنما لشعورهم أنه لا يحتاج إليهم، وهذا وحده يجعلهم يتقربون منه، هذه تبدو معادلة مقلوبة تكشف شيئاً عميقاً في النفس البشرية، وهو أن البشر يقدّرون من لا يحتاجهم، لذا الاستغناء جاذب لأنه في حقيقته يمثل قوة، والمستغني قويٌ لأنه محصّن، لا تحركه أمزجة الآخرين، ولا يُقلقه جفاؤهم، يعيش في سلام داخلي لأنه مكتفٍ بنفسه، وهذا الاكتفاء هو أنصع صور الحرية.

وأخيراً، وكما ختم صاحبنا بعبارة ذهبية عندما قال: «الاستغناء يُكسِب الإنسان صلابةً نفسية تنعكس على لغته وثقته ونظراته» وهذا صحيح؛ فاللغة تخضع لمن يتكلم بها، فإن كان صاحبها قوياً جاءت عباراته حاسمة، وإن كان محتاجاً جاءت مهزوزة بسبب الطلب، في النهاية ليس كل ما يُنشر في منصات التواصل سطحياً، فأحياناً يجلس شخصٌ أمام كاميرا هاتفه، ويقول في نصف دقيقة ما يعجز عنه كتاب ضخم، وصاحبنا الفصيح كان واحداً من هؤلاء.

* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية