في ذاكرة الأوطان تظل هناك أسماء لا يطويها الرحيل، بل تبقى منقوشة وبرّاقة كخوص «النَّقْدة» في أثواب الذاكرة الوطنية؛ ومن بين تلك الأسماء تبرز الراحلة فاطمة عبدالله إسماعيل (أُم حسن)، ابنة المحرّق البارّة، وسيدة «النَّقْدة» البحرينية التي انتقلت إلى مثواها الأخير في الثاني والعشرين من أبريل 2026؛ تاركةً خلفها إرثاً وطنياً نادراً وثميناً، وقصة كفاح امرأة بحرينية صاغت بأناملها هويةً وطنيةً وتاريخاً عريقاً.

وُلدت الراحلة في مدينة المحرّق عام 1949، ونشأت في قلب «حالة بوماهر» العريقة؛ حيث تشكلت ملامح شخصيتها الأولى. وبصفتها الابنة الكبرى للراحل الدكتور عبدالله إسماعيل –رحمه الله– «أول فني أسنان بحريني في تلك الحقبة»، فقد خرجت من بيتٍ عريق، يمثل عمق المحرق وأصالتها؛ ومن هذا المنبت الطيب استقت أسمى القيم وعزة النفس، واستلهمت من سيرة والديها معاني الصبر والبذْل والكرم والهمّة العالية.

تزوجت بالمغفور له بإذن الله علي حسن سيف المطاوعة، وقد امتحنها القدر بفقد الزوج والحبيب والسند وهي في السابعة والعشرين من عمرها، لتحمل مسؤولية خمسة أبناء، كما قدّر الله أن تُبتلى بالأمراض التي «لو وُزّعت على الجبال لأثقلتها»، وبالرغم من كل هذه الامتحانات الإلهية، لم تستسلم لليأس، بل لَمْلَمَتْ أحزانها خلف ستار الصبر بقلب مؤمن؛ محوّلةً مرارة الفقد والوجع إلى همّة قوية؛ لتزداد بذلك صبراً واحتساباً وثباتاً، وتُنْذِرَ حياتها لتربية أبنائها التربية الصالحة والكريمة.

لقد عاشت «أُم حسن» حياتها عزيزة النفس، كريمة اليدين، معطاءة لا تستند بعد الله إلا على يديها وحرفتها؛ ومن هنا بدأت رحلتها مع «النَّقْدة»؛ تلك المهارة التي اكتسبتها من والدتها -رحمها الله- منذ صغرها، وطوّعت أناملها المباركة لهذه الحِرْفة؛ لتصنع «معجزة الإرادة» في فَنّ يرتكز على دقة الحركة وتناغم الأصابع. فكانت تُطرّز «خوص النَّقْدة» ببراعة ودقة متناهية أبهرت الجميع؛ لتغدو كل قطعة تنسجها لوحة فنية خالدة، صِيغت بملامح الروح البحرينية الأصيلة.

وقد باتت وِجهة لنخبة من السيدات في البحرين والخليج العربي؛ اللواتي كنّ يقصدنها بالاسم لتُضفي سحر أناملها على أثوابهنّ؛ لما عُرفت به من ذوق رفيع وإتقان لا يُبارى. وامتدّ أثرها من خلال مشاركاتها الفاعلة في المهرجانات التراثية والوطنية، حتى غدت مدرّبة احترافية وملهمة للعديد من النساء البحرينيات الشغوفات بتعلّم أسرار «النَّقْدة». ولم يكن هذا العطاء بعيداً عن التقدير؛ فقد حظيت باهتمام ودعم كريم من الشيخة لبنى بنت عبدالله بن خالد آل خليفة؛ التي كان لها الأثر البارز في رعاية هذا الإرث، حيث نالت شهادات رسمية من قِبل «الجمعية البحرينية لتنمية المرأة» عام 2007، تقديراً لدورها المحوري في تدريب «فَنّ النَّقْدة» لمنتسبات الجمعية، مما كرّس مكانتها كشريكة في مشاريع تمكين المرأة، وتشجيع الأسر المنتجة على ممارسة هذه الحرفة، وصون الهوية.

وقد حظي مسار الراحلة بتوثيق استثنائي ومشرف في الكتاب الوثائقي القيّم الذي أصدرته جمعية أوال النسائية في عام 2021، بعنوان «النَّقْدة: بريق الأنامل» والذي صاغتهُ نخبةٌ من الشخصيات والكفاءات الوطنية وفريق بحثي وإعداد متكامل، ليرسخ مكانتها كمرجع أصيل صان أدبيات المهنة والهوية الوطنية. وقد تعانقت في هذا المنجز الرؤية التاريخية للأديب البحريني القدير الأستاذ إبراهيم محمد سند، الذي استحضر أبعاد هذه الحِرْفة بنفَسٍ قصصي وتراثي عريق، وتوّجها رسميّاً كـ «راوية من الدرجة الأولى» وقد استحقّت بجدارة إفراد مقابلة كاملة ومستقلة دُوّنت في صفحات الكتاب؛ لتكون شهادتها بمثابة موسوعة تراثية ومرجع يوثق عطاءها الممتد.

ولم يقف الاحتفاء بالراحلة عند حدود التوثيق التاريخي؛ بل التقت هذه الشهادة مع القراءة النقدية والتحليلية المعمّقة للدكتورة الفاضلة فاطمة الجاسم، أستاذ تربية الموهوبين بجامعة الخليج العربي، والتي منحت المُنْجَز بُعداً علمياً وأكاديمياً، حين حلّلت منهجياً مستويات الإبداع و»الذكاء البصري الفائق» لدى «أُم حسن»، وقدرتها الابتكارية على نسج وحدات هندسية معقّدة دون رسومات مسبقة؛ لينتج عن هذا التكامل بين روعة الشهادة التاريخية الميدانية، ودقة التحليل الأكاديمي، منجز وطني يخلّد اسمها في سجل المُلهِمين.

وعلى نهج هذا العطاء؛ لم تنعزل فاطمة يوماً عن مجتمعها، بل ظل بيتها المبارك في «حالة بوماهر» مفتوحاً للجميع وعامراً بشواهد الكرم البحريني الأصيل، وعفوية الروح وطيب الضيافة؛ ذلك البيت الجميل بروحه الذي يمتزج عبق القهوة البحرينية ورائحة البخور بدِفْء الاستقبال. لقد كانت بمثابة واحة السكينة والأُنْس التي يستمد منها الأهل والأحباب والجيران وأهالي «الحالة» الطمأنينة والسعادة، محتضنةً الجميع بقلب واسع لا يعرف الضيق؛ لتجسّد بذلك أسمى معاني الجود والاحتواء.

غادرت «أُم حسن»؛ بعد رحلة امتزجت فيها مرارة الابتلاء والألم بعظمة اليقين والعطاء، لتسطّر برحلتها مسيرة امرأة بحرينية صانت الأمانة كأُمٍّ مناضلة، ومربّية أجيال، ومواطنة صالحة، وحِرفية معطاءة أحيت حِرْفة الأجداد وصانت الهوية، مثبِتةً بذلك أن مرارة البلاء ولوعة الفقد قادرتانِ على نقش المستحيل على صفحات الزمن.

غابت وظلّت «حالة بوماهر» حزينةً على فقدها، ليبقى اسمُها محفوراً بجدارة في سجل الذاكرة الوطنية العريقة، كإحدى رائدات المحرّق المخلصات اللواتي تركنَ بصمةً لا تمحوها السنين.

وفي الختام لقد كانت هذه السيرة العبقة والمشرفة التي سردتُها هي سيرة خالتي الحبيبة ونصف أُمي. وقد أبى قلمي إلا أن تنال نصيباً وافراً من مداده؛ فأنا هنا لا أُسطّر مقالاً عابراً، بل أقف وقفة تَكْرِيمٍ وَرِثَاءٍ لمن صبرت على أوجاع القدر حتى آخر رمق، ورضيت بقضاء الله وتسامت باحتسابها؛ ولهذا فكل حَرْفٍ يعد قليلاً في حقها، وكيف لا! وقد عايشتُ معها تفاصيل طفولتي وحياتي، وتعلّمت في مدرستها الكثير.

رحلت عنا قُرّة العين، ومُهجة الفؤاد، ومنبع الحنان والقوة، وعنوان الصبر والحمد، والدافع الأكبر للإبداع والعطاء؛ تاركةً خلفها قلوباً مشتاقة لذلك الوجه السَّمْح طيّب المبْسم، والقلب الحنون، واللسان الذاكر الشاكر، وتلك الروح النَّقِية التي لا تُعوّض؛ مخلّدةً خلفها سيرة نَقِية وأثراً لا يموت.

لم يكن هذا الحديث حديث حبّ واعتزاز فحسب، بل رسالة توثق مسيرتها، وتستمد قوتها من الحقائق الرصينة لرحلة امرأة عظيمة؛ غزلت من الصبر طوق نجاة، ومن «النَّقْدة» نقوشاً تحكي قصة ثبات، ومن خوص الذهب والفضة تاريخاً لا يموت؛ تاريخاً صاغته من خيوط همّتها، ليظل يلمع في ذاكرة الوطن إلى الأبد.

رحم الله فاطمة عبدالله إسماعيل رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته.