مملكةُ البحرينِ مساحتُها صغيرة، ولكنها كبيرةٌ بتاريخها وحاضرها؛ فعلى مدار التاريخ لعبت البحرين دوراً حضارياً يفوق مجالها المكاني.

ففيها كان مهدُ حضارات دلمون وتايلوس وأوال، حيث كانت نقطةَ التقاءٍ حضاري وثقافي كبير، شعَّ أثرُها على محيطها الإقليمي والدولي، فكانت كبيرةً بأثرها وعملها وعطائها.

وكما قال الشاعر:

ليسَ الكبيرُ مَن يَراهُ الناسُ في جَسَدٍبلِ الكبيرُ مَن أعلَى بصِدقِ العملِكم من صغيرٍ بأفعالٍ هو القِمَمُوكم كبيرٍ هباءٌ ما له عملُفالعبرةُ بالأفعال، وبالعطاء، وبالأثر الخالد.

ولا يخفى على القاصي والداني الإسهامُ الحضاريُّ للبحرين عبر تاريخها؛ إذ كان واضحاً بيّناً، يراه وينتفع منه الجميع. فقد قدّمت مساهماتٍ ثقافيةً وعمرانية، ونُظماً سياسيةً واجتماعيةً واقتصادية، وقيماً وفنوناً، وتسامحاً ثقافياً، وتعايشاً بين الأديان منذ أقدم العصور، فمآثرُها خالدةٌ ظاهرةٌ للعيان.

وقد قال العرب قديماً: العبرةُ بالأفعال لا بالأقوال، وقيمةُ المجتمعات والدول والحضارات بعطائها وإنتاجها وأثرها الصالح النافع لكافة الناس.

وهذه هي الحضارة التي كانت ولا تزال عليها مملكة البحرين؛ إذ تتصدى بصلابة، وتقف بحزم أمام التحديات، وتستمر في العطاء والإنجاز، وتقديم ما ينفع البشرية في أصعب الظروف.

وهنا موطنُ العظمة والكبرياء والرقي، ورفعةُ الشأن وعلوُّ كعب البحرين؛ فهي تعطي في أصعب الظروف، وتتحدى وتنتصر، ببصيرة قيادتها، وثبات وتلاحم ووعي شعبها، وبسالة ويقظة وتضحيات جندها. فاستحقت العلياء والمقام الرفيع، فشتّان بين الثرى والثريا.

وكما قال الشاعر:

على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُوتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُوتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُهاوتصغُرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ

وقد نسي أولئك الصغار الذين تمادوا في التطاول على البحرين، أنها – وبفضل أبنائها وتضحياتهم إلى جانب عرب الجزيرة العربية – قد أسهمت في الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، وأسهمت في إخراج شعوبٍ من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى الحضارة، ومن الظلم إلى العدل والحرية.

وها هي مملكة البحرين اليوم، في ظل قيادتها الحكيمة، وحكومتها الرشيدة، وشعبها الوفي، وجندها البواسل، تقف مواقف الكبار، دورها الحضاري وعطاؤها الإنساني الممتد من عصر دلمون إلى عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه وتثبت عظمتها في صبرها وثباتها وتوازنها، وتقدّم للعالم دروساً في الالتزام بقيم الحضارة وأخلاقيات التحضر؛ توازنٌ وثباتٌ واستقرار، وتضميدٌ للجراح، مع استمرار العطاء والتنمية، والإنجازات.

هنا مدرسةُ الكبار، هنا العظمة والعلو والرقي والحضارة والكبرياء، هنا وطن العز، سليل المجد والخلود.. هنا البحرين. مملكة الإنسانية والتي تؤكد للعالم يوماً بعد آخر دورها الحضاري الممتد من عصر دلمون إلى عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه.

* أكاديمي وباحث في التاريخ