تُعدّ العلاقة بين المذهب والسياسة من أكثر القضايا تعقيداً في المجالين العربي والإسلامي، لا سيما حين يتحول الانتماء المذهبي من إطار ديني ثقافي إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تبرز إشكالية توظيف الجمهورية الإسلامية الإيرانية «وليس إيران هنا» للانتماء الشيعي ضمن استراتيجيتها الإقليمية، حيث جرى استثمار هذا الانتماء في بناء شبكات نفوذ تتجاوز الحدود الوطنية، وتؤثر في بنية الدولة وشرعيتها وفي تماسك الهوية الجامعة داخل عدد من المجتمعات العربية «خصوصاً في الجغرافيات السياسية الفاشلة». ومن ثم، فإن الحديث عن “برمكة المذهب” لا ينصرف فقط إلى تضخم حضوره في المجال العام، بل إلى تحويله إلى وسيط للسلطة، ومصدر للشرعية، وأداة لإعادة إنتاج جغرافيا سياسية ترتكز على الهويات الفرعية لا الوطنية.
من الناحية النظرية، لا يُفترض في الانتماء المذهبي أن يكون نقيضاً للدولة الوطنية، إذ يمكن للمجتمعات التعددية أن تستوعب تنوعها الديني والمذهبي ضمن إطار المواطنة المتساوية. غير أن هذا التوازن يختل حين يُعاد توظيف المذهب سياسياً في سياقات الصراع الإقليمي، فيغدو أداة للتعبئة والاصطفاف، لا مجالاً للاجتهاد أو التعبير الثقافي. وهذا ما يفسر ظاهرة «عسكرة المذهب»، حيث تُدمج الرابطة المذهبية في شبكات عسكرية وأمنية وإعلامية، بما يحولها من انتماء اجتماعي إلى بنية تعبئة عابرة للحدود.في الحالة الإيرانية، اكتسب هذا التوظيف بُعداً مؤسسياً منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، حين اقترن الخطاب الثوري بمبدأ “تصدير الثورة”.
وقد مثّل هذا المبدأ انتقالاً من مفهوم الدولة الوطنية إلى تصور أوسع للنفوذ، تكون فيه الجماعات المذهبية الحليفة جزءاً من مجال استراتيجي ممتد. وبذلك، لم يعد الانتماء الطائفي مجرد رابطة دينية، بل أصبح في بعض السياقات قناة لاختراق المجال السياسي في دول أخرى، عبر دعم نخب محلية، أو تشكيل قوى مسلحة، أو بناء مؤسسات دينية وثقافية وإعلامية تؤسس لولاءات متداخلة بين الوطني وفوق الوطني.
تتضح آثار هذا التوجه في عدد من الحالات الإقليمية. ففي العراق بعد عام 2003، أسهمت التحولات السياسية والأمنية في توسيع المجال أمام قوى شيعية ارتبطت بدرجات متفاوتة بالنفوذ الإيراني، ما جعل المذهب عنصراً فاعلاً في إعادة تشكيل السلطة. وفي لبنان، تكرّس نموذج يتداخل فيه الديني والسياسي والعسكري على نحو أضعف احتكار الدولة لأدوات القوة والقرار السيادي. أما في سوريا، فقد اتخذ التدخل الإيراني طابعاً مركباً، جمع بين الاعتبارات الجيوسياسية والخطاب المذهبي، الأمر الذي أسهم في تعميق الانقسام الاجتماعي. وفي اليمن، أدى دعم جماعة الحوثي إلى نقل التمايز المذهبي من مستوى اجتماعي محدود إلى مستوى صراع سياسي وعسكري ذي امتدادات إقليمية.
وتنعكس هذه الديناميات مباشرة على شرعية الدولة وصلابتها. فحين تعجز الدولة عن احتواء التعدد ضمن عقد مواطنة جامع، تصبح أكثر عرضة للاختراق تحت غطاء الولاءات الفرعية. كما أن صلابة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها الأمنية، بل بقدرتها المؤسسية على دمج المكونات المختلفة ضمن نظام قانوني عادل. وعندما يُعاد تعريف الجماعات المذهبية من خلال ارتباطاتها الإقليمية، تتآكل الهوية الوطنية تدريجياً، ويغدو التاريخ نفسه مادة للتعبئة لا مجالاً للتصالح والنقد.
وعليه، فإن إشكالية الخطاب لا تنفصل عن إشكاليات التداخل بين الديني والسياسي، وبين المحلي والإقليمي. فخشية “الالتحام” الوطني لا تنتج فقط من التباينات الاجتماعية، بل من وجود مشاريع تستثمر هذه التباينات وتعيد إنتاجها. ومن ثم، فإن تجاوز هذه الأزمات يقتضي تحييد المذهب عن التوظيف الجيوسياسي، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة، بما يحول دون تجريف الهوية الوطنية وتحويل الانتماء الديني إلى أداة صراع ونفوذ أو تجريف الجغرافيات الهشة