«أدرك أن اصطحاب الأطفال إلى قاعة التصويت (على الميثاق حينها) ليس مما تجيزه الإجراءات، غير أنني أردت لمحمد أن يكون شاهداً على لحظةٍ من تاريخ مستقبله والتي أرجو أن تظل حاضرة في وعيه».

كان ابني محمد يومذاك في السابعة من عمره، غير أن المشهد في معناه الوطني تجاوز حدود الذكرى الشخصية إلى فضاءٍ أوسع من الدلالة.

إذ لم يكن الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني مجرد مناسبة سياسية عابرة، بل كان لحظةً تأسيسية فارقة في التاريخ البحريني الحديث، تجلّت فيها حكمة القيادة، ونضج المجتمع، والتقت عندها الإرادة الوطنية على مشروع تجديد فلسفة دولةٍ تنظر إلى المستقبل بثقة، من دون أن تنفصل عن رسوخ رواسيها التاريخية وعمقها الحضاري.

لقد كان ميثاق العمل الوطني، في حقيقته العميقة، أكثر من وثيقة إصلاح سياسي، وأبعد من أن يُختزل في مقاربةٍ تبسيطية لمفهوم «العقد الاجتماعي».

لقد مثّل الميثاق إعلاناً وطنياً كبيراً وولادة مرحلة جديدة في مسيرة البحرين، عنوانها التحديث المسؤول، والإصلاح المتدرّج، والشراكة الوطنية التي تتأسّس على التوافق لا المغالبة، وعلى البناء لا الهدم، وعلى استيعاب تحولات العصر من داخل ثوابت الدولة لا من خارجها.

ومن ثمّ، فإن كل محاولة لاستدعاء ذلك التاريخ المجيد خارج سياقه الوطني، أو توظيفه في سردياتٍ مناوئة لمقاصده الأصلية، لم تكن سوى مصادمةٍ غير واعية مع حقيقة البحرين، ومناعتها الوطنية التي أثبتت أنها أرسخ من أن تُخترق، وأوعى من أن تُستدرج.

لقد امتحنت البحرين في عروبتها، كما امتحنت في سيادتها ووحدة نسيجها الوطني مراتٍ شتى، لكنها خرجت من كل اختبار أكثر صلابةً ووضوحاً وثباتاً.

فما أرساه أحمد الفاتح، طيب الله ثراه، على هذه الأرض، لم يكن مجرد قيام سلطةٍ سياسية، بل كان تأسيساً لكيانٍ وطن متكامل، ثبتت ركائزه على الأمن، وصون السيادة الوطنية، وتأصيل مفهوم الدولة بوصفها مظلةً جامعة تتسع لجميع أبنائها، وتحتمي بهويةٍ عربية راسخة لا تنال منها النزعات الطارئة ولا الأطماع المحيطة.

وعندما أطلق حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، مشروع البحرين الجديدة، وجعل من الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في الرابع عشر من فبراير 2001 مدخلاً لهذا التحول التاريخي، فإنه كان يؤسس، ببصيرة القائد ومسؤولية المؤسس، لعقدٍ وطني متجدد، يستلهم من التاريخ صلابته، ويستمد من المستقبل ضروراته.

ولم يكن الميثاق، في هذا السياق، مجرد نصٍ سياسي يُقرأ في حدود عباراته، بل كان رؤية دولةٍ تُعاد بها صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع على قاعدة الثقة المتبادلة، والشرعية الدستورية، والمصلحة الوطنية العليا.

البحرين ليست مجرد تجاورٍ اجتماعي أو تنوعٍ طائفي قابلٍ للتسييس، وإن محاولة اختزالها في مثل هذه المقاربات يُعد إخلالًا بجوهر حقيقتها الوطنية.

فالبحرين، في معناها الأعمق، هويةٌ جامعة، ووجدانٌ مشترك، ودولةٌ أثبتت في الملمات أنها أكبر من محاولات القسمة، وأشد تماسكًا من رهانات الفتنة، وأرسخ من أن تعبث بها مشاريع عبثية.

وقد بدا ذلك جلياً في اصطفافها الثابت ضمن محيطها الخليجي، وفي موقفها الواضح إبان الاعتداء الإيراني الآثم والذي استهدف أمن المنطقة واستقرارها.

إلا أن دوافع ذلك الاستهداف ليس الجغرافيا وحدها، بل فكرة الدولة الوطنية وهوية الأرض العربية في عموم الخليج العربي.

وفي هذا الامتداد الطبيعي لمعاني الميثاق ومقاصده الكبرى، تُعد مبادرة وثيقة الولاء الوطني المجتمعية، تعبيراً ناصعاً عن حقيقة الموقف البحريني، وبيانًا وطنيًا جامعًا يؤكد أن العلاقة بين القيادة والشعب ليست علاقة ظرفٍ سياسي عابر، بل رابطة تاريخية وأخلاقية ووطنية تتجدد كلما دعت الحاجة إلى إعلان التمسك بالثوابت، والوقوف صفاً واحداً في وجه محاولات التشكيك، أو العبث، أو النيل من وحدة الوطن وسيادته.

إن البحرين، من الميثاق إلى وثيقة الولاء، لا تسير في خطٍ زمني فحسب، بل تعبر عن استمراريةٍ سياسية وأخلاقية ووطنية عميقة، تؤكد أن الأوطان العريقة والأصيلة لا تحيا بردود الأفعال، بل بقوة الفكرة التي قامت عليها، وبالولاء الذي يصونها، وبالإرادة التي تحمي منجزاتها.

وهكذا تمضي البحرين، كما أرادها أبناؤها وقيادتها، وطناً عربياً راسخاً، ودولةً متماسكة، ورايةً عالية لا تنكسر أمام العواصف، لأنها مشدودة إلى تاريخٍ أصيل، ومسنودةٌ بشعبٍ يعرف معنى الانتماء الوطني، ويُحسن الوفاء لها.