في زمانٍ يختلفُ عن هذا الزمان، في بساطتِه وفي سعةِ الوقت، في جمالِ الناس بابتسامتهم الدائمة على الرغم ممّا يحملونه في صدورهم أحياناً من هَمِّ، لكن الأصول تحكمهم، والأثرة تتقدمهم و(السنع) يفرضُ عليهم أنْ يتسامحوا مع أقربائهم وجيرانهم، يذوّبون المشاكل الصغيرة في اللحظة ذاتها، بالتسامح من الطرفين فـ(العيبُ) و(المنقود) يؤطّر علاقاتِنا مع بعضنِا البعض في تعاملاتنا اليوميّة، ولا أقصد هنا (المنقود) على تصرفات الآخرين فيما يخصهم، فالحريات الشخصيّة لا أتطرق إليها، إنّما أعني ما يخصُّ العلاقات المتشابكة بين الأهل والجيران والأقرباء، فكانوا يتقبلون الأشخاص بما فيهم من عيوب نفسيّة، فتجدهم يبررون للآخرين تصرفاتِهم قائلين: (ماعليه هذي طبعه) (خذْ وخلْ) ولا يأخذونها بشكل شخصيّ، فالمشكلات كانت بسيطة جداً كطبيعة الحياة التي يعيشونها، وأتحدث هنا عن النساء مثلاً، فأقصى مشكلاتهن تتشكل في (فلانه ما سلمتْ علي)، (ماياتني) ولا تتعدى ذلك عادة، فالنساء الحكيمات كنَّ يعذرن جاراتهن وينعتون تلك التصرفات بـ(العواية)، فلفظة (العوية) وصف للسيدة التي في طبعها بعض الإعوجاج، فإذا حاولتْ إصلاحه كسرته، فيحافظن عليه بحكمتهن، وبالتسامح والتغافل في أحيانٍ كثيرة، و(الدنيا تمشي) وتتغلّب الأمورُ الجميلة الكثيرة على العيوب الخفيفة، فالحياة كانت مرحة.
فأمهاتنا -أعتقد- كنَّ يتمتعن بالراحة النفسية أكثر من بعضنا اليوم، لأنهنّ أكثر ما يحرصن عليه هو تقضية وقت جميل ولحظات من الفرح غير المتكلّف، باختصار كان الناس يؤمنون بالقيم أكثر من الشكليات بل لا تعنيهن الشكليات، حتّى أنّ أجمل الأوقات عندهم:التجمّع حول سلّة رطب وفنجان قهوة في ظلّ سوالف يوميّة وضحكات بريئة.
وأنا استدعي الذكريات، ونحن نعيش فرحة نجاح أبنائنا، خطر في بالي كيفية التعبير عن تلك الفرحة في وقتنا، فأجمل ما نهديه للجيران وقت النجاح، لنزف البشرى لأحبائنا، (غراش البيبسي والميرندا والسفن آب) فلكل بيت عدد من الزجاجات، بعدد الأشخاص في البيت. وكم كانت الفرحة تدور في الأزقة (السكك) مع هرولة الأطفال اللذين يحملون البشرى للبيوت، يطرقون الأبواب بدقات قلوبهم الفرِحَة، والجيران يبادلونهم التهاني بابتسامة و(يبّاب) أحياناً.
فالفرحة بـ(غراش البيبسي) التي كانت تدور في (الفريج) تعادل ألفَ حفلة تُقام اليوم في أجمل القاعات.
لكن لكي لا أكون قاسية على هذا الجيل الجميل، فحنيني لوقت الصبا يغلبني، فالفرحة جميلة في كلِّ الأوقات، فالأجيال تعيش النجاحات بأشكالِ الزمان التي تعيش فيه، فمبارك لكم نجاحاتكم، عيشوا فرحتكم ودعونا مع ما يهيّض خواطرنا، ففرحتنا كانت تتمثل في(كيك إسفنجي) لا يتعدى ثمنه الـ(ثلاثمائة فلس) حينها.
وفي يومٍ ما، حين تتراكم السنين وتبتعد بكم الأيام، ستعذرون هذا الحنين. ستجدون أنتم أيضاً ما يهيّض خواطركم ويعيدكم إلى أجمل محطات العمر، وعندها ستكتبون على وريقات الزمن حكاياتكم الخاصة، وتبوحون بتفاصيل ظننتموها عابرة، فإذا بها أثمن ما ادّخرته الذاكرة. ستدركون أن أجمل اللحظات لم تكن تلك التي أبهرت العيون، بل تلك التي سكنت القلوب بهدوء، ثم بقيت فيها عمراً كاملاً.