* كثيراً ما أتأمل، وبخاصة في هذه الأيام ومع انقضاء عام هجري من أعمارنا، حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث العظيم الجامع: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه البخاري ومسلم. إن هذا الحديث الشريف قد اشتمل على مقاصد وقواعد عظيمة من قواعد الإسلام الحنيف، وهو أوضح ميزان للأعمال؛ إذ يقوم على النية الخالصة، ومعناها القصد والإرادة. فما من عمل إلا وله نية قلبية، ولكل امرئٍ ما نوى من خير أو شر، والله عز وجل مطّلع على السرائر والضمائر. ومن هنا تتجلى أهمية الإخلاص لله تعالى وحده في جميع الأقوال والأفعال؛ فمن ابتغى وجه الله تعالى في عمله كُتبت له الأجور الخالصة، ومن ابتغى الرياء والسمعة وحب الظهور حبط عمله. يقول الله عز وجل: «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً». ومن هنا فإن بين النيات والأعمال فاصلاً دقيقاً يُظهر قيمة الإنسان وأثره في هذه الحياة. ومن المهم أن يتحاشى المرء كل ما يخدش إخلاصه ونيته لله عز وجل، وأن يتعمق في هذه المعاني العظيمة، فلا يترك للشيطان سبيلًا إلى قلبه، ولا يجعل عمله أسيراً لنظرة الناس أو ثنائهم. فالنية موطنها القلب، وهي سرّ بين العبد وربه سبحانه وتعالى لا يطّلع عليه أحد سواه. وأثر الإنسان الحقيقي إنما يُقاس بصدق يقينه، ونقاء قصده، وإخلاصه للمولى الكريم، لا بما يظهره للناس أو يبتغيه من مدحهم. تبقى النيات الخالصة هي المحرك الحقيقي لمسالك حياتنا، وهي التي تضبط سلوكنا وأداءنا لواجباتنا في هذه الدنيا، امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: «إني جاعلك في الأرض خليفة». فمفهوم الخلافة في الأرض يقوم على تطهير القلب، وصدق التوجه إلى الله تعالى، وأن تكون الحياة كلها لله تعالى وحده، لا يُبتغى بها إلا وجهه ورضاه، دون طلب جزاء أو شكر من أحد. يقول المولى الكريم: «قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين»، وقوله تعالى: «قل الله أعبد مخلصاً له ديني».

* إنما أعمالنا هي التي تصنع أثرنا، والأيام شاهدة على ما نقدمه من عمل، وعلى ما نستهلكه من أعمار تتصرم يومًا بعد يوم. وقد انقضى عام هجري من أعمارنا، وأقبل عام جديد نخط فيه صفحات جديدة من حياتنا. وما انقضاء العام الهجري إلا تذكير بأن العمر يمضي، وأن الأيام تُطوى، وأن الأعمار إلى فناء، وأننا في سباق مع الزمن نحو ما يُكتب لنا من عمل. وإن من أعظم الدروس في ذلك اقتران انقضاء العام بمواسم عظيمة كالعشر الأوائل من ذي الحجة وموسم حج بيت الله الحرام، في إشارة واضحة إلى أن الحياة زائلة، وأن الفرص لا تُستعاد، وأن العمر لا يعود إلى الوراء. فطوبى لمن فطن لنفسه وتدارك عمره قبل أن يتوقف مسير العمل بلا رجعة، وأحسن استثمار أيامه فيما ينفعه عند ربه. وكثيرون يظنون أن الدين يُؤخذ بالحد الأدنى ليكون مقبولاً، فيفرطون في السنن ويقصرون في النوافل ويكتفون بالقليل من العمل، غير مدركين أن الفضل عند الله تعالى يُنال بالمسارعة إلى الخيرات لا بالاكتفاء بالحد الأدنى منها. وقد يظن بعضهم أن أداء الشعائر وحده كاف دون أثر ممتد في السلوك والتغيير، لكن الحقيقة أن الإيمان الحقيقي إنما يُترجم في سلوك متكامل لا في ممارسات منفصلة عن أثرها. إنها ليست سنة مضت فحسب، بل عمر أنقص من أعمارنا، وشاهد على ما قدمناه وما فرطنا فيه. ومؤلم أن يتأمل الإنسان نفسه ويستعرض رسائله في الحياة وأوقاته المهدورة وأثره الذي لم يكتمل، فلا يجد ما يشفع له من خير يطمئنه يوم الرحيل، فيتضرع إلى الله تعالى أن يُحسن خاتمته ويجعل آخر أيامه خيرها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله»، قيل: كيف يستعمله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل موته».

* نادراً ما يستطيع الإنسان في محطاته الإدارية والحياتية أن يحقق كل ما يصبو إليه، أو حتى أن ينجح بشكل كامل في إضفاء بصماته وخبراته المتراكمة؛ وذلك لسبب بسيط، وهو أن البيئات الإدارية تختلف من سياق إلى آخر، وأن بعض العقول قد بُنيت على هوامش من الافتراضات غير الموضوعية أو المحسوبيات الشخصية، على حساب الخبرات الناضجة التي لم تعد تحظى بالتقدير في بعض المحطات. وحين نقول «نادراً»، فإننا لا نغفل في الوقت ذاته أثر بعض النفوس المخلصة التي تركت بصمتها في كل محطة مرت بها بإخلاصها وعطائها، فأسهمت في ترسيخ مفاهيم إيجابية وتجارب نافعة. وفي نهاية المطاف، فإن الرسالة الأوضح التي يدركها الإنسان عبر محطات عمره أن قوته الحقيقية تنبع من صلته بربه، وأن عمله يُوزن بميزان القبول لا بكثرة الضجيج، وأنه مهما واجه من صراعات الأيام أو افتراءات البشر أو غيبة المغرضين فعليه أن يلجأ إلى الله عز وجل، رافعاً يديه بالدعاء، مستعيناً به، مطمئن القلب بقربه. حينها فقط تهدأ النفس، وتطمئن الروح، ويمضي الإنسان متصالحاً مع ذاته، غير عابئٍ بالقيل والقال، ومتوجهاً إلى ما عند الله تعالى وحده. ونحتاج إلى أن نكون مُحسنين في أعمالنا، غير مُبالين بتفاهات بعض البشر أو تنقيصهم من قدر أثرنا؛ فإن ما عند الله تعالى باق، وأثر الإحسان هو الذي يرفع منزلة المرء عند ربه.

ومضة أمل:

إنها حياة أيامها معدودة، نسأل الله تعالى أن يجعلها في رضاه وأن يختم لنا بخير الأعمال وأفضل الأحوال.