حالُ الرأي العام عندنا بسؤاله: من غلب؟ بعد توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، يذكّرني بجمهور المصارعة الحرة الذين يسألون بعضهم البعض وهم يشاهدون مباراة: هل لامس كتفه الأرض؟ هل أعلن استسلامه؟

أو الأصح: جمهور لكرة القدم نام أثناء المباراة، وصحا ثاني يوم وسأل: من غلب البارحة؟

نحن أمام معركة طويلة، نحن أمام نظام إرهابي مجاور لنا جغرافياً، خزّن وصنّع ترسانة تكفي لحرق العالم. نحن أمام مشاريع توسّعية إيرانية إسرائيلية، ومصالح متشابكة بين عدة أطراف؛ إسرائيل من جهة، وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى، وجميعهم لديهم خيوط متشابكة مع قوى أخرى. لسنا أمام لاعبين اثنين: أمريكا وإيران.

دولنا الخليجية وسط هذه المعركة أصرّت على عدم إقحامها قسراً، فلديها مصالحها التي لا تتّسق مع خوض تلك المعركة، ونجحت في الامتناع عن الدخول فيها.

إنما شاءت دولنا أم لم تشأ، فإن مصالحنا مرتبطة بما ستؤول إليه الأمور، سواء كانت حرباً أم اتفاقاً بين الأطراف المتحاربة، فنتائجها ستنعكس على مصالحنا.

أين نحن الآن؟

تعرّضنا لخسائر مادية نتيجة العدوان الغادر والغاشم.

أولها تكلفة صدّ تلك الهجمات الغاشمة تكلفة عالية.

وكذلك خسائر متعلقة بأرواح، وخسائر متعلقة بأضرار مادية سيكلّفنا إصلاحها.

ارتفاع في الأسعار، قابل للسيطرة إلى الآن، نتيجة تعطّل سلاسل الإمداد نتيجة إغلاق المضيق، نجحنا في حلّ بعض من إشكالياته بفضل المملكة العربية السعودية، والباقي في الطريق إن شاء الله.

تأجيل وإعادة ترتيب أولويات وبرامج تنموية.

ما نجحنا به في هذه الفترة:

انتصار نموذج الدولة الوطنية البحرينية، فهو نظام أُسِّس على ثوابت قوية أفرزت دولة مستقرة آمنة تضع رفاهية مواطنيها نصب عينها كأولوية، وحافظت على مقوماتها بالرغم مما تعرّضت له من هجمات كان بإمكانها لو سقطت علينا، لولا لطف الله وكفاءة رجالنا، أن تمحوَ هذه الدولة.

ثانياً: استفدنا كثيراً من تحطيم الترسانة الأخطر والأكبر من الأسلحة التي كانت موجّهة ضدنا طوال الخمسين عاماً الماضية، إذ لولا تلك الحرب التي لم ندعُ لها ولم ندخلها لما كان بالإمكان لأحد أن يغامر ويصطدم مع تلك الترسانة الخطرة، ولا يستطيع أحد أن ينكر فرحتنا وسعادتنا بالتخلّص من هذا الكم من الخطر الذي كان محدقاً بنا.

ثالثاً: استفدنا من كشف العالم كله للإرهاب الإيراني وخطره على الأمن العالمي لا على دول الجوار فقط، مما مكّننا في البحرين أن نحصل على الإجماع الدولي المتفق معنا في إجراءاتنا لحفظ أمننا، وسكتت كل المنظمات التي سَيَّست كل إجراء أمني سابقاً، واقتنعت بحقنا كشعوب أن نعيش بسلام.

لم تسنح لنا فرصة كالتي نمر بها الآن للتخلص من أذرع إيران البحرينية كما هي هذه الفترة التي حصل فيها إجماعٌ دوليٌّ على خطورة إيران وأذرعها، وحسناً فعلت البحرين بعدم التردّد.

رابعاً: جئنا لمذكرة التفاهم:

هي مذكرة أمريكية إيرانية بالدرجة الأولى لا تُلزمنا بأي اتفاق جرى بين الاثنين.

لم ينجح أيُّ طرف أثناء الحرب في جرّنا إلى ما لا نريد، ولن ينجح بعد الحرب أيُّ طرف في جرّنا إلى ما لا نريد أيضاً.

انعكاس أثر بنود تلك المذكرة، هو 60 يوماً من وقف إطلاق النار، مرهون بظروف هشة للغاية إن تمّت!!

ثانياً: أيُّ مكسب ماديّ سيحصل عليه النظام الإيراني سيترتب عليه أولاً سَدّ رمق الإيرانيين خاصة الجهاز الأمني، ثم لإعادة تسليح وإعادة بناء.

وفي هذا، نحن تعايشنا مع هذا النظام المجنون حين كان بكامل قوته، وقادرون على التعايش معه بعد أن تحطّمت ترسانته أو جزء كبير منها.

ثالثاً: قصة 300 مليار دولار جزرة ألقاها دي جي فانس لإيران وللمستثمرين الأمريكيين لجرّها للتوقيع، إنما تطبيقها على الواقع من سابع المستحيلات، إذ إن أمامها عقبات قانونية لا حصر لها تمنع التدفق المالي الأمريكي أو الأوروبي أو الخليجي إلى إيران، من بعد سلسلة العقوبات التي لا تزول بضغطة زر، بل تحتاج لشهور وربما لسنة لإزالتها، حتى يتمكّن أيُّ مستثمر، إن أراد أن يغامر بالدخول للسوق الإيرانية.

ولا ننسى أن كل ذلك مرهونٌ بالسلوك الإيراني.

وللأهمية لننتبه أن هذا الرقم 300 مليار دولار هو «للاستثمارات»، إن شاء القطاع الخاص في دولة ما أن يغامر ويدخل السوق الإيرانية، وليس مبلغاً مُلزماً للحكومات الخليجية كما روّج الإعلام الإيراني، وهذا ليس بجديد.

رابعاً: مضيق هرمز مياهٌ دولية، حرية الملاحة فيه مسؤولية دولية وليست خليجية فقط، وسيتحوّل إلى مواجهة إيرانية دولية بعد الستين يوماً.

في النهاية، أسفرت هذه الحرب عن التخلّص من خطر كبير، سواء كان داخل إيران أو داخل دولتنا، كان مهدّداً لنا، وتلك نعمةٌ كبيرةٌُ ونجاحٌ باهرٌ وفوزٌ مؤزّرٌ، ولله الحمد.

وما تبقّى نحن قادرون على التعامل معه، ولله الحمد، فالبحرين ليست وحدها.

ما بعد الاتفاق هو استمرارٌ لمعاناة شعب إيران، كان الله في عونه. أما نحن في البحرين وشعوب الخليج، فقد عدنا إلى ما كنّا عليه من خططنا التنموية.

فصلّوا على أفضل الخلق، وكفانا سؤالاً «من غلب؟».