تضعنا النتائج التي تمخضت عنها الأزمة الراهنة أمام استحقاقات، أولها: مستقبل مضيق هرمز من منظور أمننا القومي المشترك؟ إذ لا تقتصر أهميته على كونه أحد أكثر الممرات البحرية حرجاً في معادلة أمن الاقتصاد الدولي، ولا على وصفه ممراً حيوياً في معادلة أمن الطاقة فقط، بل باعتباره عقدة استراتيجية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسيادة والتوازنات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظور، فإن التطورات الأخيرة المصاحبة لقمة مجموعة السبع في فرنسا تعكس بوضوح أن ملف هرمز لم يعد شأناً ملاحياً محدوداً، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع ترتبط بالتزاحم الدولي من منظور النفوذ وإدارة المصالح.

في هذا السياق، تكتسب تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أهمية خاصة حين دعا إلى «إعادة فتح مضيق هرمز»، وأشار إلى أن سلطنة عُمان لا تعارض وجود مهمة دولية في المضيق. وتكشف هذه التصريحات عن إدراك دولي متزايد بأن أمن الملاحة في هرمز لم يعد مسألة إقليمية قابلة للاحتواء، بل قضية تمس استقرار الأسواق العالمية وسلامة سلاسل الإمداد. كما أن طرح فكرة قوة دولية أو مهمة متعددة الأطراف (مماثل لمشروع القرار الذي تقدمت به البحرين بالتضامن مع الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة) مما يعكس اتجاهاً نحو بناء إطار أمني قابل للتوافق عليه إقليمياً، ويضمن سلامة وحرية الملاحة دون الحاجة لقرار دولي.

وفي المقابل، يمثل قرار الإمارات الأخير استجابة استراتيجية عملية لتقليل الاعتماد على المضيق. فإعلان دولة الإمارات عن توسيع قاعدتها اللوجستية في إماراتها الشمالية المطلة على خليج عُمان، بما يشمل تطوير الموانئ والربط الحديدي ورفع الطاقة التصديرية للنفط الخام، إلى جانب خط حبشان – الفجيرة، يعبّر عن رؤية أمنية واقتصادية هدفها تحييد أي مصدر تهديد مباشر أو محتمل في مضيق هرمز. وبهذا المعنى، لا تسعى الإمارات إلى تجاوز أهمية المضيق بقدر ما تعمل على تحصين أمنها الاقتصادي.

غير أن البعد الأهم، والواجب أن يشغل تفكير صناع القرار الأمني خليجياً، يتمثل في ضرورة دراسة البدائل الملاحية عبر رأس مسندم بوصفها خياراً يتجاوز الارتهان الأحادي بمضيق هرمز. فرأس مسندم، بحكم موقعه المشرف على المدخل الغربي للمضيق، يملك قيمة استراتيجية استثنائية في أي تصور بديل أو مكمل لمفهوم أمن الملاحة. كما أن خلجانه ومياهه العميقة تمنح إمكانات مهمة لإعادة تنظيم بعض المسارات البحرية (عبر إنشاء قنوات بين مياه الخليج العربي شمالاً ومياه خليج عُمان جنوباً). فهذه الخيارات تتيح المرونة الأمنية والاقتصادية في الأوقات الطبيعية، والأزمات، أو الكوارث ذات التأثير على سلامة الملاحة في مضيق هرمز.

وتنبع أهمية رأس مسندم أيضاً من كونه نقطة متقدمة للمراقبة والإنذار المبكر، بما يسمح بالرصد والاستجابة السريعة ناهيك عن المكاسب الاقتصادية. ومن شأن تطوير مرافق لوجستية محدودة ودعم فني، ومنظومات مراقبة بحرية في هذه المنطقة، أن يمنح دول الخليج العربية هامشاً أكبر في إدارة واحتواء المخاطر والحيلولة من تطورها إلى أزمات. ويقلل من الارتهان الكامل لمسار واحد قابل للضغط أو التعطيل كما شهدنا ذلك خلال الأزمة. ومن ثم فإن الاستثمار في رأس مسندم لا يتعلق فقط بتوفير بديل أو بدائل ملاحية آمنة، بل بإضافة مستوى جديد من المرونة الاستراتيجية.

أما سلطنة عُمان، فتظل عنصراً محورياً في أي ترتيبات مستقبلية لأمن هرمز، نظراً إلى أهمية مياهها الإقليمية والخالصة، التي تُعد الأعمق والأكثر ملاءمة لحركة الملاحة. وكذلك تأتي البنى التحتية العمانية المطلة على بحر العرب (شمال المحيط الهندي) مثل الدقم، صحار وظفار، فجميعها يوفر خيارات استراتيجية تستوجب التفعيل من منظور أمن عموم شبه الجزيرة العربية (جاري تطوير خطوط ربط حديدية بالشبكة السعودية والإماراتية).

لقد أثبتت الأزمة الأخيرة، قبيل التوصل إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، أن ترك أمن الملاحة رهينة لتفسير أحادي لمفهوم «السيادة» في المضيق ينطوي على مخاطر كبيرة. فعندما يتحول ممر دولي حيوي إلى أداة ضغط سياسي، تصبح حرية الملاحة عرضة للتجاذبات الجيوسياسية. ومن هنا، فإن مستقبل أمن هرمز سيتوقف على قدرة دول المنطقة على بناء منظومة بحرية مرنة ومتعددة المسارات والوسائط، لا تعتمد على نقطة اختناق واحدة، بل تقوم على الشراكة والتنسيق والاستباق بدل الاحتواءات الدبلوماسية الهشة. وفي هذا الإطار، تبقى عُمان مفتاحاً رئيسياً، ويظل رأس مسندم أحد أهم الخيارات التي تستحق دراسة عاجلة وجادة من قبل صانع القرار الخليجي.