مرات عديدة تحدث فيها حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة ”كيهان» الإيرانية عن البحرين، وفي كل مرة، لا أبحث شخصياً عن مضمون ما يقوله، بل أتوقف عند «التوقيت» لأحلل بعدها الوضع الذي تصدر فيه تصريحاته. وطبعاً على شاكلته كثير من المسؤولين الإيرانيين والشخصيات القريبة من مكتب مرشدهم.

اذهبوا أعمق في التحليل دائماً، لأن هؤلاء لا يصرحون لمجرد التصريح، بل لهدف آخر. وعليه السؤال الأهم هنا: ”متى يتذكر شريعتمداري البحرين“؟!

هذا الرجل لا يتحدث عن البحرين ويعاود تكرار ذات الأسطوانة المشروخة من فراغ. المتابع لتصريحاته ومقالاته منذ سنوات طويلة، سيدرك أن البحرين لا تظهر في قاموسه السياسي إلا في توقيت محدد، خاصة حينما تكون إيران في أزمة خارجية، أو تتعرض لقلاقل داخلية، وأيضاً حين تقوم البحرين -وهي الهدف الرئيس لاستهدافاتهم وعملياتهم- حين تقوم من منطلق واجبها المسؤول في حفظ الأمن الوطني، في إنفاذ القانون على خلايا أو عناصر أو متورطين ارتبطوا بالمشاريع الإرهابية الإيرانية.

هنا يظهر شريعتمداري فجأة. يتحدث عن البحرين وعن شعبها، وعن أوهام قديمة لم يملّ من تكرارها، وكأنه اكتشف البحرين للتو. لكن الحقيقة أن كلامه لا يوجه للبحرينيين! وسأحددهم أكثر، لا يوجه للبحرينيين المخلصين لوطنهم، الموالين لقيادتهم على رأسها جلالة الملك المعظم حفظه الله.

ولماذا هو لا يوجهه للمخلصين لبلادهم؟! لأنه مدرك تماماً لحقيقية أن البحرينيين يعرفون بلادهم وتاريخهم وهويتهم، ويعرفون جيداً أن البحرين دولة عربية مستقلة ذات سيادة، لا تهزها افتتاحية صحيفة، أو تصريحات شخص اعتاد بيع الأوهام الإيرانية.

كلام شريعتمداري موجه إلى جمهور آخر. موجه إلى من تم تجنيدهم فكرياً وسياسياً على مدى سنوات، وإلى من تم تخديرهم بالشعارات، وإلى من قيل لهم دائماً إن هناك مشروعاً كبيراً يقف خلفهم، وإن هناك قوة إقليمية لن تتخلى عنهم. ثم حين تأتي لحظة الحقيقة، ماذا يجد هؤلاء العملاء والطوابير الخامسة؟! سيجدون مجرد كلمات، تصريحات من بعيد، مقالات حماسية، عبارات رنانة، ثم لا شيء! نعم لا شيء، إذ هل تتوقع الأذيال أن الرأس سيهب لنجدتهم وسيجن جنونه لنصرتهم؟! أنتم وقود محرقة ولا شيء أكثر.

هذا أسلوب النظام الإيراني مع أدواته في المنطقة. يستخدمهم حين يحتاجهم، يرفع معنوياتهم حين يسقطون، يواسيهم بالكلام حين يحاكمون، ثم يتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم.

من يراهن على مشروع خارجي ضد وطنه ليتعلم من التاريخ أن الأنظمة المعتدية لا تحمي الأدوات بعد انتهاء دورها. هي تستخدمهم وقوداً في معاركها، ثم تبحث عن غيرهم. ومن سقطوا، فيكفيهم تصريح هنا، وافتتاحية هناك، وعبارات مواساة، ثم تُغلق الصفحة.

الغريب أن تصريحاته تأتي وإيران تجلس على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، التي تصفها الأولى ولعقود طويلة بـ«الشيطان الأكبر». يعني إذا كانت طهران قادرة على الجلوس مع واشنطن والتفاوض معها وحساب المصالح معها، فلماذا تريد من بعض أتباعها في المنطقة أن يعيشوا أسرى للشعارات والصدامات والأوهام؟! وتشحذهم بالتصريحات والكلام؟!

الإجابة سهلة لمن يفهم سلوك هذا النظام؛ لأن التفاوض هناك سياسة دولة، أما التصريحات هنا فهي مخدر سياسي للأتباع. هناك مصالح وحسابات وطاولات تفاوض، وهنا خطابات تعبئة وجرعات وهم ورسائل تطمين لمن تورطوا وراهنوا وصفقوا وهلّلوا وصدقوا أن المشروع سيحملهم إلى مكان ما.

لهذا كلام شريعتمداري عن البحرين ليس رسالة قوة، بل رسالة تهدئة للذين انكشفت أوهامهم. رسالة لمن ظنوا أن الاصطفاف مع عدو بلادهم سيمنحهم حماية، فإذا بهم يكتشفون أن وطنهم الذي باعوه وخالفوا قانونه باق وثابت، مؤسساته تعمل، والعدالة تأخذ مجراها، بينما الذين أوهموهم بالدعم لا يملكون لهم إلا الكلام.

لا تسألوا: «ماذا قال شريعتمداري»؟! بل السؤال الأصح هنا: «متى يتذكر شريعتمداري البحرين»؟!

ستجدون الجواب دائماً في التوقيت.