كم ملياراً سيتم الإفراج عنه؟! كم برميلَ نفط إضافياً سيدخل الأسواق؟! وكم ستنخفض أسعار الطاقة؟! وغيرها من أسئلة تُطرح بكثرة اليوم، وذلك على خلفية المفاوضات الأمريكية مع إيران. أسئلة تكشف أن العالم أصبح مهووساً بأرقام تداعيات هذه الحرب!
لكن بالنسبة لمنطقتنا التي عانت لعقود طويلة، سنجد أنها لا تنظر للمسألة بهذه السطحية؛ فالقضية لم تكن يوماً في الأموال، بل كانت وما زالت في سلوك النظام الإيراني.
لا أحد في الخليج يعترض على أن يتحسن اقتصادهم، وأن يحصل المواطن الإيراني على حياة أفضل، وفرص عمل وخدمات أكثر، أو بنية تحتية حديثة، أو مشاريع تنموية. بل استقرار إيران وازدهار شعبها يصبان في مصلحة المنطقة أصلاً.
لكن السؤال ونحن نتابع هذه المفاوضات والحديث عن أموال يُفرج عنها، هل ستذهب الأموال إلى الشعب الإيراني؟! أم ستذهب إلى النظام الذي ذهبت إليه أموال كثيرة قبلها، واستخدمها في الإرهاب والدمار؟!
أي اتفاق جديد، يجب أن يجيب على هذا السؤال. لأن أولويات النظام الإيراني تختلف عن أولويات الدول الطبيعية التي تريد لشعوبها أن تعيش. هذا النظام امتلك موارد هائلة، لكن المنطقة لم ترَ انعكاسات إيجابية، كمشاريع تنموية أو شراكات اقتصادية أو حتى مبادرات استقرار إقليمية. كل ما رأيناه أزماتٍ، وإرهاباً، ودعم جماعات مسلحة، وتدخلاً مستمراً في شؤون دولنا.
بالتالي إذا كان الحديث اليوم عن رفع عقوبات أو الإفراج عن أموال أو تسهيلات اقتصادية، فمن حق دول المنطقة أن تؤكد على الضمانات بعدم تحول أية أموال إلى وقود أزمات جديدة يخطط لها النظام الإيراني. ما الضمانة أننا لن نرى مجدداً أجواءنا تطير فيها الصواريخ والمسيرات التي تستهدف أمننا واقتصادنا وشعوبنا؟!
إيران لم تنسحب من المفاوضات، بل على العكس، تبدو حريصة على استمرارها. والمثير هو ما يتردد عن وجود دعم من المرشد الجديد مجتبى خامنئي لهذا المسار الدبلوماسي. بالتالي هل نحن أمام تغيير حقيقي في التفكير السياسي الإيراني؟! أنا شخصياً أشك. لكن التساؤل هنا مشروع، إذ باستمرارهم في المفاوضات، هل يعني ذلك أن قيادة مجتبى تظن أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة الصدام إلى سياسة المصالح؟!
بودنا تصديق ذلك، وأن هذا الجار السيئ المؤذي، وصل لمرحلة يدرك فيها أن بناء الاقتصاد أكثر جدوى من ضربه، وأن إعمار الداخل أكثر فائدة من تهديداته للخارج، وأن احترام سيادة دول الخليج أكثر ربحاً من استعدائها!
إذا لم يتغير السلوك، فلن يتغير شيء، وإذا لم تتغير أولويات النظام الإيراني، فإن أية مقاربات اقتصادية ومالية لن تفضي إلا لمد عمر وأمد فكر يدعم الإرهاب ويستعدي الآخرين.
بالتالي أهمية الجولة الخليجية التي يقوم بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تتمثل بإطلاع الحلفاء الخليجيين على تفاصيل المفاوضات، لكنه سيعرف تماماً نظرة دولنا ومواقفها، وأيضاً ما هي أولوياتنا، وهنا سيجد أننا أيضاً ننظر لمصالحنا الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، مثلما يفعل الغرب، لكن لدينا أيضاً أولويات أقوى تحرص دولنا عليها بشدة، فنحن نفكر دوماً بأمن أوطاننا وشعوبنا ومستقبل أجيالنا القادمة، وما يرتبط بهم من أمن اقتصادي وغيرها من مقومات الحياة والنماء
الأولوية القصوى اليوم هي ضمان أمن المنطقة ومستقبل دولها وشعوبها، بالأخص دولنا الخليجية التي عاشت طوال العقود الطويلة تبني وتعمر وتطور، وتعمل لأجل شعوبها، ونجحت في تحقيق الكثير. وإن كان هناك من تعويل على إنهاء تهديدات هذا النظام الإيراني الذي استمر لعقود طويلة يستهدفنا ومؤخراً يقصفنا في حرب من طرف واحد، لأننا لم نهاجمه إطلاقاً، فإن التعويل على تعديل سلوكه قبل أن تتم مساومته بالأموال.