عيسى بن علي الدوسري

يقف المتابع الواعي للخطاب التاريخي الحاسم الذي وجهه سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، يوم السبت الموافق الأول من أغسطس 2026م إلى إيران والدول الإقليمية والعالم أجمع، أمام وثيقة سياسية وأخلاقية ذات بعد استراتيجي شمولية شديدة الصرامة والوضوح. لم يكن الخطاب السامي مجرد موقف سياسي، بل كان تشخيصاً حقيقياً ومباشراً للرؤية الإسلامية الأصيلة في إدارة العلاقات والتعايش الإنساني، في مقابل كشف صارم لماكينة العدوان والتمدد الإيراني التي لم تتوقف يوماً عن استهداف مملكة البحرين، وأشقائها، والدول العربية بأسرها.

لقد انطلق جلالته من مرجعية ملك ينتمي إلى أسرة عربية إسلامية عريقة تعي جوهر الإسلام ومقاصده، وتفهم المفهوم الحقيقي للجيرة، وتصون حرمة المسلم مستنداً إلى تاريخ البحرين العريق التي دخلت الإسلام سلماً ودون حروب أو ضغوط، وكانت السَبّاقة في دعم بيت مال المسلمين من واقع مسؤوليتها الحضارية والقومية.

وفي المقابل القاتم، ينبغي للمستمع والقارئ أن يستوعب الحقيقة السياسية المجردة دون مواربة؛ إن النظام الإيراني لم ينظر يوماً إلى المنطقة العربية إلا بصفتها امتداداً جغرافياً ومجالاً حيوياً لأوهام إمبراطوريته الفارسية البائدة. ومن هذا المنطلق الاستعلائي، سعت طهران بأساليب إجرامية إلى زرع بذور الشر والتدمير في الدول العربية من خلال إنشاء الميليشيات المسلحة وتغذية عناصر التخريب لبسط نفوذها الهادم. إن هذا السلوك ليس وليد اللحظة ولا وليد ثورة عام 1979م، بل هو امتداد لعداء فارسي ضارب في أعماق التاريخ، بدأ منذ الغزوات الأولى للدولة البابلية عام 539 قبل الميلاد، واستهداف دولة الحضر عام 440 قبل الميلاد، مروراً بالمشروع الصفوي عام 1501م بقيادة إسماعيل الصفوي الذي اتخذ من تبريز وأصفهان وطهران مراكز لانطلاق غزواته للجغرافيا العربية والجزيرة العربية في عامي 1508م و1514م، وصولاً إلى الحقبة القاجارية ومعاهدة أرض روم التي جرى بموجبها اقتطاع أقاليم عربية أصيلة كالأحواز.

إن نقطة التحول الأكثر خطورة وتضليلاً في هذا المسار التاريخي تمثلت في كيفية توظيف "نظام الولي الفقيه" للدين والمتاجرة بالمقدسات؛ إذ أجاد هذا النظام أدوات الخداع العقائدي وحوّل نظرية الولي الفقيه من مفهوم فقهي فرعي إلى سلاح جيوسياسي عابر للحدود يمنح الحاكم المعصوم بزعمهم سلطة مطلقة تتجاوز مفهوم سيادة الدول الوطنية. لقد وظّف نظام الولي الفقيه الدين والطقوس لشرعنة التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتأسيس شبكات وكتائب مسلحة تدين بالولاء المباشر للمرشد الإيراني بدلاً من أوطانها الأصيلة.

وتحت شعار اتباع آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم - وآل البيت الأطهار براء من هذا الإجرام والتخريب، غرر هذا النظام بالعالم، وادعى احتكار المذهب الشيعي، في حين أن المذهب الشيعي الحقيقي هو مذهب العرب الأقحاح الذين يحترمون دينهم، ويصونون أوطانهم، ويؤمنون بالتعايش والأخوة الوطنية الشاملة، ويرفضون الارتهان للخارج. لقد حوّلت طهران العقيدة السمحة إلى فتنة سياسية وتجارة غير صالحة في أسواق النفوذ للوصول إلى أبعد نقطة في البلاد الإسلامية.

ولعل الشاهد الأكبر على هذا الغدر الاستراتيجي يكمن في السلوك الإيراني الأخير؛ فبينما خاضت دول الخليج العربي ودول عربية وإسلامية جولات مضنية من المفاوضات الرسمية وغير الرسمية مع الولايات المتحدة الأمريكية وسعت بكل السبل الدبلوماسية لإقناعها بعدم ضرب إيران وتجنيب المنطقة ويلات الحرب، أبت طهران إلا أن تكشف عن وجهها الإجرامي الحقيقي، فردت على يد السلام الممدودة بالعدوان المباشر واستهداف الدول المجاورة التي لم يبدر منها أي أذى تجاهها. إن من يخون عقيدته، ويتاجر بدينه ويسير في طريق التخريب والقتل لا يمكنه فهم الخطاب الملكي النقي الذي فاض بأخلاق الإسلام السامية، لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولا يستوعبه.

إن اقتصار المواجهة على المسارين السياسي والعسكري لم يعد كافياً لأسباب استراتيجية متعددة وملحة؛ إذ تحتاج مجتمعاتنا العربية اليوم إلى جهود أكاديمية رصينة تقرأ الخطاب السياسي والديني لنظام الولي الفقيه وتفكك أطروحاته، لتوعية الأجيال القادمة بحقيقة هذا المشروع ومنعه من تجنيد البسطاء باسم الدين. كما أن الأطماع الفارسية تعتمد بالأساس على إعادة كتابة التاريخ وتزوير الحقائق الجغرافية، وهو ما يجعل من تأسيس مراكز بحثية متخصصة ضرورة قصوى لإنتاج وثائق ودراسات علمية باللغات العالمية الحية تثبت الهوية العربية التاريخية للخليج وأقاليمه، وتفضح السجل الاستعماري الإيراني.

وإلى جانب ذلك، فإن البحث الأكاديمي المتخصص يوفر لصنّاع القرار في دول الخليج العربي تحليلات استباقية ومستقبلية تفكك آلية صنع القرار في طهران، وتحلل تحركات الميليشيات الإيرانية وصراعات أجنحة الحكم داخلياً ومسارات الاختراق الإقليمي. وأخيراً، ولأن طهران تعتمد على التضليل الإعلامي والمغالطات في الغرب، يبرز دور مراكز الأبحاث الخليجية في تقديم دراسات موثقة ومحكمة تخاطب المجتمع الدولي بلغة الحقائق، وتضعها أمام مراكز الفكر العالمية والمنظمات الدولية لتعرية النظام الإيراني كمهدد حقيقي للأمن والسلم الدوليين.

إن صيانة عروبة الخليج العربي وأمنه تتطلب جبهة فكرية وأكاديمية صلبة تقف خلف الموقف القيادي الحاسم الذي عبّر عنه جلالة الملك المعظم، ليبقى الخليج العربي دائماً حصناً منيعاً وحضارة عصية على كل الأطماع التوسعية.