تشكل مسيرة تمكين الشباب في مملكة البحرين إحدى أهم ركائز التنمية الوطنية الشاملة والمستدامة، إذ تنطلق من رؤية استراتيجية تؤمن بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الأقدر على صناعة المستقبل، والضمانة الأوثق لاستدامة التقدم والازدهار.
ومن هذا المنطلق، أولت القيادة الحكيمة في مملكة البحرين اهتماماً بالغاً ببناء الإنسان البحريني وتأهيله علمياً ومهنياً ومعرفياً ليكون شريكاً فاعلاً في التنمية ومحركاً رئيسياً لاقتصاد المعرفة، وذلك من خلال منظومة متكاملة من البرامج والمبادرات التي تنسجم مع أهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030 القائمة على مبادئ الاستدامة والتنافسية وتنويع الفرص، بما يعزز اندماج الشباب في مسارات الاقتصاد الرقمي والابتكار وريادة الأعمال والتقنيات الحديثة.
وفي ظل هذا التوجه الوطني المتكامل، تتجلى الرعاية السامية التي يوليها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، والمتابعة المستمرة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في ترسيخ تمكين الشباب كسياسة دولة شاملة، تتكامل فيها مسارات التعليم والتدريب والعمل والتنمية ضمن منظومة مترابطة تستهدف إعداد جيل مؤهل يمتلك أدوات المعرفة والمهارة، وقادر على التفاعل مع متغيرات الاقتصاد العالمي، ومواكبة متطلبات الثورة التكنولوجية والتحول الرقمي.
وترجمةً لهذه الرؤية الطموحة، يبرز الدور الريادي لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، بوصفه أحد أبرز الداعمين لمسيرة الشباب البحريني، حيث أسهم في إعادة تشكيل المشهد الشبابي والرياضي من خلال إطلاق مبادرات استراتيجية نوعية ارتقت بالعمل الشبابي إلى آفاق أكثر تأثيراً وفاعلية في الاستثمار بالطاقات الوطنية الشابة، وصقل القدرات، وبناء الكفاءات العلمية والتقنية، بما ينسجم مع متطلبات المستقبل ويعزز تنافسية الشباب البحريني على المستويين الإقليمي والدولي. وعلى رأس هذه المبادرات استراتيجية «صناعة الذهب» التي أصبحت نموذجاً وطنياً في توجيه الطاقات الشابة نحو صناعة الإنجازات النوعية والنجاحات المستدامة، إلى جانب برامج «صناعة القادة» والمبادرات الداعمة للابتكار وريادة الأعمال.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة الرسمية الأخيرة التي قام بها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتجسد عملياً الرؤية البحرينية في بناء شراكات دولية تخدم مستقبل الشباب والاقتصاد الوطني. فقد شهدت الزيارة الإعلان عن استئناف مشروع المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، وتوقيع بيان شراكة بحريني أمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس، واجتماعات مع شركات ومؤسسات أمريكية رائدة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة والدفاع والابتكار.
وتعكس هذه النتائج نجاح الدبلوماسية البحرينية في توظيف الشراكات الدولية لتعزيز بيئة الابتكار، واستقطاب التقنيات الحديثة، وترسيخ اقتصاد المعرفة، بما يدعم مسيرة تمكين الشباب البحريني ويهيئ أمامه آفاقاً أوسع للمنافسة والإبداع في اقتصاد المستقبل.
كما يضطلع سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة ورئيس الهيئة العامة للرياضة، بدورٍ محوري في قيادة المشهد الرياضي والشبابي، حيث قاد مسارات تطويرية نوعية أسهمت في تعزيز البنية الرياضية الوطنية، وتطوير منظومة اكتشاف المواهب وصقلها، وتمكين الرياضيين من بلوغ أعلى درجات التميز في مختلف المحافل. كما رسخ سموه فلسفةً متقدمة تقوم على أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل صناعة متكاملة للإنسان، ومنظومة قيم وثقافة وهوية وطنية، وأن الشباب هم الثروة الحقيقية للوطن والركيزة الأساسية لمسيرة التنمية والنهضة.
وقد أثمرت هذه الرؤية المتكاملة عن إطلاق العديد من المبادرات الوطنية الرائدة التي أصبحت نماذج مضيئة في مسيرة تمكين الشباب، ومن أبرزها برنامج «لامع» الذي أسهم في إعداد وتأهيل الكفاءات الوطنية الشابة وتطوير قدراتها القيادية والمهنية، ومبادرة «مدينة الشباب 2030» التي تمثل نموذجاً وطنياً متقدماً في تمكين الشباب، حيث توفر بيئة تدريبية تفاعلية تحاكي سوق العمل، وتدمج بين التعليم التطبيقي والتجربة العملية في مجالات القيادة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعلوم والإعلام وريادة الأعمال، بما يعزز مهارات الشباب ويؤهلهم للمنافسة في الاقتصاد الوطني والعالمي.
ويمتد هذا الجهد الوطني المتكامل إلى بعد عالمي من خلال «جائزة الملك حمد لتمكين الشباب لتحقيق أهداف التنمية المستدامة»، التي تعكس المكانة الدولية التي باتت تحتلها مملكة البحرين في دعم المبادرات الشبابية ذات الأثر التنموي، إلى جانب مبادرات الحوار والتواصل مثل «قمة الشباب»، التي تتيح مساحة مباشرة للتفاعل بين الشباب وصناع القرار، وتفتح المجال أمام تبادل الرؤى ومناقشة التحديات وصياغة الحلول المبتكرة التي تسهم في تطوير السياسات العامة وتعزيز المشاركة الشبابية في صناعة المستقبل.
ولم يعد تمكين الشباب في مملكة البحرين مجرد برنامج تنموي أو سياسة قطاعية، بل أصبح خياراً وطنياً راسخاً ومكوناً أساسياً من مكونات التخطيط الاستراتيجي للدولة، تتكامل فيه الأدوار بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن توسيع دائرة الفرص أمام الشباب، وتعزيز مساهمتهم في الاقتصاد الوطني، وترسيخ حضورهم كشركاء فاعلين في التنمية وصناعة القرار، وبروز نماذج بحرينية شبابية ناجحة في مجالات ريادة الأعمال والابتكار والتكنولوجيا والعمل التطوعي والرياضة، حيث تمكن العديد من الشباب البحريني من تحقيق إنجازات مشرفة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، مؤكدين أن الاستثمار في الإنسان البحريني هو الاستثمار الأكثر استدامة والأعلى عائداً للوطن.
إن هذا التكامل بين الرؤية الملكية السامية، والدعم الحكومي المتواصل، والأدوار النوعية التي يضطلع بها أصحاب السمو في قيادة وتمكين الشباب، والانفتاح على الشراكات الدولية، يجسد فلسفة مملكة البحرين في بناء نموذج تنموي متفرد قوامه الإنسان أولاً، وهدفه صناعة جيل يمتلك الوعي والمعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة العالمية؛ جيل يؤمن بوطنه ويشارك في بناء مستقبله، ويستند إلى منظومة وطنية راسخة تؤمن بأن تمكين الشباب هو أساس الاستدامة وضمانة المستقبل.
فالشباب البحريني ليسوا فقط ثروة وطنية متجددة، بل هم القوة المحركة لمسيرة التنمية، والرافد الأهم لاستدامة الإنجاز، والجسر الذي تعبر من خلاله البحرين بثقة نحو آفاق المستقبل ورحابة التنافسية العالمية، بما يعزز مكانتها نموذجاً وطنياً رائداً في الاستثمار بالإنسان وصناعة الفرص وبناء المستقبل.