المستشار عبدالمنعم محمد العيد

الهدنة أثناء الحروب المسلحة هل تمنح الخصم فرصة لإعادة ترتيب أوراقه؟

نعم، تبدأ الحروب وتستمر بمد وجزر ترتفع وتيرتها تارةً، وتنزل تارةً أخرى وذلك حسب معطياتها والموقف المرتقب، الوقت في الحروب لا يُقاس بعدد الساعات أو الأيام أو الشهور، بل بما يخلفه من آثار في العمليات الحربية والاستراتيجية. فكل توقف في العمليات العسكرية، سواء جاء نتيجة اعتبارات لضغوط سياسية أو لمرحلة تعاطف مع الإنسانية أو لتدابير دبلوماسية، هذا لا يعني بالضرورة تجميد الصراع، بل قد يمثل فترة انتقاله إلى مرحلة أخرى أكثر تعقيداً، تُدار فيها المعركة بعيداً عن الطائرات المقاتلة أو السفن الحربية والمدافع.

وتأتي العلوم العسكرية الحديثة من جانبها التعليمي والأكاديمي بمنظور آخر، الذي يعني بأن الوقت يعد أهم عناصر القوة. فالقوة القتالية لا تعتمد فقط على حجم القوات أو نوعية التسليح، وإنما تعتمد على القدرة القيادية على كيفية استثمار الوقت لإعادة بناء الكفاءة القتالية وتعزيز الجاهزية. ولهذا السبب، ينظر المخططون العسكريون إلى أي فترة هدوء باعتبارها مخرجاً استراتيجياً يمكن أن يعيد تشكيل ميزان القوة على الأرض إذا تم استغلاله بأحسن الطرق.

فإذا منح الخصم مهلة زمنية قد يتيح له إعادة تنظيم قواته وتشكيلاته العسكرية، وإعادة توزيع القوات بما يتماشى مع المستجدات الميدانية، ونقل القوات حسب الموقف وتأمين خطوط الإمداد، وصيانة المعدات، واستيعاب الدروس المستفادة من مراحل القتال السابقة، والاستعداد للخطط البديلة. كما قد يستثمر هذه الفترة في تعزيز منظومة القيادة والسيطرة، وتحديث تقديراته المعلوماتية والاستخباراتية، ورفع الروح المعنوية لدى قواته، والحصول على دعم سياسي، أو عسكري، أو إداري، أو إعلامي الذي يعزز من قدراته على مواصلة القتال.

ومن هنا، فإن الإدارة السليمة للوقت تمثل ركناً أساسياً من أركان التخطيط العسكري. فالقرار المتعلق بمنح مهلة أو قبول هدنة خلال العمليات العسكرية ينبغي أن يستند على تقدير موقف استراتيجي شامل يكون متوازناً بين المكاسب السياسية والإنسانية من جهة، والمخاطر العسكرية المحتملة من جهة أخرى، مع إدراك أن الزمن، إذا تُرك دون إدارة دقيقة، قد يتحول إلى أهم مورد يعيد للخصم توازنه وقدرته.

إن المعادلة الاستراتيجية في الحروب تؤكد حقيقة ثابتة أن الوقت ليس عنصراً محايداً، بل هو إما أن يعمل لصالحك إذا أحسنت استثماره، أو يتحول إلى قوة مضاعفة لخصمك إذا منحته الفرصة لإعادة بناء قدراته. ولذلك، فإن إدارة الوقت تظل إحدى أكثر أدوات القيادة العسكرية تأثيراً في رسم مسار الصراعات وصياغة النتائج، وإن تلك الإدارة في الحروب تُعد جزءاً لا يتجزأ من فن القيادة العسكرية.حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها، والخليج العربي وقادته وشعبه من كل شر ومكروه.