قبل مقتله في غارة إسرائيلية بالعاصمة طهران في مارس المنصرم، قال أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إن إغلاق مضيق هرمز «ورقة يمكن لعبها مرة واحدة فقط» بسبب رد الغرب المتوقع، حسبما نقل الكاتب الأمريكي الشهير ديفيد أغناتيوس، في عموده بصحيفة «واشنطن بوست» الشهر الماضي، عن مسؤول أمريكي لم يكشف عن هويته.

ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، حوّلت إيران الجغرافيا إلى سلاح اقتصادي لابتزاز الولايات المتحدة ورفع كلفة هذا الصراع في مختلف أنحاء العالم.

وهنا، لم تكن طهران بحاجة إلى إغلاق كامل للمضيق، بقدر حاجتها إلى خلق شعور دائم بالخطر على رؤوس المال الجبانة، بهدف دفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة حساباتها.

وعلى الرغم من أنها لا تسيطر فعلياً على هذا الممر المائي الحيوي كما تدعي، فإن إيران تملك القدرة على عرقلة الملاحة البحرية عبر استهداف السفن التجارية أو تهديدها، وهو ما جعل غالبية شركات الشحن العملاقة تتجنب استخدام المضيق.

وتشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن هرمز لا يزال واحداً من أخطر نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تدفقات النفط والغاز.

وبعد أن ذاق العالم الألم الاقتصادي جراء تعطل حركة الشحن البحري في هذه النقطة، يبدو أن طهران تستمتع بذلك، مدركة أن هذه الورقة فعالة بكلفة محدودة نسبياً، لكنها في المقابل تحمل كلفة سياسية واستراتيجية مؤجلة قد تكون باهظة.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز نشره هذا الأسبوع، فإن إيران مصممة على الحصول على اعتراف دولي بسيطرتها على مضيق هرمز وقدرتها على فرض رسوم على السفن التي تدخل الخليج أو تغادره، حتى لو اضطرت إلى ذلك بالقوة.

هذا يعني أن طهران لم تعد تنظر إلى المضيق باعتباره ورقة ضغط مؤقتة، بل كأداة لإعادة تعريف موقعها في الخليج العربي وفرض نفوذ على دول المنطقة والعالم بأسره.

وبموجب الاتفاق المؤقت الذي أبرمته إيران مع الولايات المتحدة في يونيو لإنهاء صراعهما الذي دام ثلاثة أشهر، وافقت إيران على السماح للسفن بالمرور من المضيق لمدة 60 يوماً دون رسوم.

لكنها تعتقد أن صياغة الاتفاق تسمح لها بالاحتفاظ بالسيطرة على تحديد السفن المسموح لها بالمرور والطريق التي تسلكها عبر هذا الممر المائي الضيق.

ولذلك، ضاعف النظام الذي يسيطر عليه الحرس الثوري رهانه على ورقة المضيق، سعيًا منه أولاً إلى وضع اليد العليا على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة، ومن ثم بناء نفوذ جديد يستطيع من خلاله أن يتحول إلى «شرطي الخليج» عبر تثبيت سيطرة فعلية على هرمز.

ومع ذلك، فإن الحرس الثوري، الذي لم يكترث لنصيحة لاريجاني، يحاول ترسيخ سيطرة فعلية على الممر الحيوي، لكن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر إذا استمرت طهران في المبالغة بتقدير أوراق قوتها.

فالورقة التي تُستخدم أكثر من مرة تفقد جزءاً من رهبتها، وتدفع الخصوم إلى البحث عن وسائل لكسرها أو حتى الالتفاف عليها للبحث عن بدائل.

بالنسبة لكثير من القوى الكبرى، فإن مسألة سيطرة إيران على هرمز أمر مرفوض تمامًا، حتى لو كلف ذلك تدخلاً عسكرياً، على اعتبار أن فتح المضيق بالقوة قد يصبح في لحظة معينة، أقل كلفة من القبول بنفوذ إيراني دائم عليه.

وقد خلص معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى إلى أن إضعاف قبضة طهران على المضيق لا يقتصر على حماية الملاحة، بل يشمل أيضاً زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني لردع المزيد من الهجمات وخلق نفوذ تفاوضي مضاد.

وبالتالي، فإن استمرار اللعب بالورقة الجديدة سيعطي دافعاً كبيراً للولايات المتحدة وربما الأوروبيين أيضاً، وهم مستفيدون رئيسيون من واردات الطاقة من دول الخليج العربي، لتشكيل تحالف عسكري لتأمين حركة الملاحة، حتى لو استدعى الأمر الدخول في صراع عسكري يؤمن حركة التجارة البحرية بالقوة.