فيصل الشيخ

ما زلت أكتب في أصداء زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه إلى مدينة شباب 2030، وفي تلك الصور والمشاهد الجميلة التي جمعت جلالته بالشباب وأبنائنا الصغار، وما حملته من فرح وبهجة وحفاوة صادقة.

لكنني هذه المرة أتوقف عند سؤال بسيط جداً، يمكن أن نوجهه لأي طفل أو شاب تشرف بلقاء جلالة الملك، وسؤالي هنا بلهجتنا البحرينية الجميلة: «ليش تحبونه»؟!

قد تأتيك الإجابة بعفوية بسيطة جداً، تصدر من طفل لا يأخذ وقتاً في نظم الكلام وترتيبه، لكن في إجابته ستجد مشاعر صادقة تتدافع. سيقول غالباً التالي: لأن الملك جعلني أشعر بالراحة، لأنه تحدث معي ببساطة وبكل تواضع، لأنه استمع لي وهو يبتسم، ولأنه جعلني أتكلم كما أنا، بلا خوف ولا تكلف.

أمامك ملك، له مقامه وهيبته ومكانته، ومِن الطبيعي أن يشعر مَن يقابله للمرة الأولى بشيء من التوتر، توتر مصدره الاحترام والتقدير لمقام الرجل العظيم أمامه. لكن ما إن يبدأ جلالة الملك بالحديث والتفاعل مع الناس، ستجدون أي حاجز مرسوم في المخيلة مسبقاً، ستجدونه يتلاشى، سيتحول التوتر إلى راحة، والرهبة إلى اطمئنان، ويشعر مَن أمامه بأنه يطلب منه التحدث على سجيته والتعبير عن نفسه بكل عفوية.

في علم الإدارة نتحدث كثيراً عن القائد الذي يصنع النموذج بسلوكه قبل كلماته. وأعيد لأكرر القول؛ إذ القائد الحقيقي هو الذي يقدم الأمثلة والنماذج المؤثرة بنفسه، وبأفعاله قبل أقواله. يرونه يحترم الناس، فيتعلمون الاحترام، يرونه يستمع للصغير قبل الكبير، فيدركون معنى التقدير في الإنصات والاهتمام، يرونه متواضعاً رغم علو مقامه، فيفهمون أن المنصب لا يعني أبداً التعالي على البشر.

دائماً أشدد في مقالاتي الإدارية ودوراتي لشريحة كبيرة من القياديين في المواقع المختلفة في أجهزتنا الحكومية، بأن هناك فارقاً كبيراً جداً بين هيبة المنصب وهيبة الإنسان. وأن هناك مَن يظن أن المناصب تعني وضعه لأبواب مغلقة، وصناعة مسافات بعيدة بينه وبين الناس، وأن عليه استخدام لغة رسمية جامدة تجعل مَن يتحدث إليه يحسب كلماته ويخشى ردة فعله. لكنَّ هناك قائداً كلما ارتفع مقامه ازداد قرباً من الناس، لأنه يعرف تماماً ماذا تعنيه الإدارة، وما هو فن إدارة البشر والتعامل معه بكل إنسانية وأريحية ومحبة، وهذا ما نراه دائماً في جلالة الملك.

ملك، لكنه حين يتحدث مع طفل، يمنحه كامل الاهتمام، فيجعله أسعد طفل في العالم. وحين يستمع إلى شاب، يترك له المساحة ليعبر عن نفسه، فيبني لديه ثقة ما بعدها ثقة. وحين يلتقي بعموم الناس، يتعامل معهم بذوق واحترام ومحبة صادقة، فيدركوا أن لديهم ملكاً متواضعاً راقياً كريم الأخلاق. لذلك تنشأ تلك «الكيمياء» الجميلة التي نراها دائماً في الصور ومقاطع الفيديو، وفي كل المحافل؛ نجد ابتسامات حقيقية، وضحكات عفوية، ووجوهاً تشع بالفرح.

هذه المشاعر الصادقة لا تصنعها استراتيجيات بناء أو خطط تواصل، لأن المحبة لا يصدر بها قرار، ولا تفرضها مناصب، المحبة نتيجة تعامل. أكرر تعامل، واحترام، وتقدير، وتواضع.

«ليش يحبونه»؟! وأعني أبناءنا ومشاعرهم تجاه ملكنا؟! لأنهم يشعرون باحترامه لهم. لأن الصغير أمامه يشعر بقيمته، والكبير يشعر بتقديره، والشاب يشعر بأن ملك بلاده يريد أن يسمعه ويعرف ماذا يفكر وكيف يرى مستقبله.

هذا درس أتمنى أن يتوقف عنده كل مسؤول، وكل مَن يشغل موقعاً قيادياً؛ إن أردت أن تعرف كيف تكون قريباً من الناس وبهيبة يحترمونها فيك، فانظر إلى رأس الهرم في بلادنا، انظر لملك يحتفظ بكل هيبة الملك، لكنه في تعامله مع الناس إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هذا سر محبتنا لحمد بن عيسى؛ فنحن في البحرين محظوظون بأن لدينا ملكاً حين تتحدث معه تقف له احتراماً وإعجاباً، وفي الوقت نفسه تشعر براحة الابن وهو يتحدث إلى والده؛ يستمع إليك، يشجعك على الحديث، يبتسم لك، ويمنحك إحساساً صادقاً بأن ما تقوله يعنيه.

أبناؤنا شاهدوا أمامهم نموذجاً حياً للقيادة. شاهدوا كيف يمكن للإنسان أن يكون في أعلى مقام، ومع ذلك يكون قريباً منهم. وكيف يمكن للهيبة والتواضع أن يجتمعا، وللقوة والطيبة أن يتكاملا، وكيف للقائد أن يدخل القلوب، دون أن يطلب من أحد أن يحبه.حمد بن عيسى قبل أن يكون ملكاً عظيماً في مقامه، هو إنسان عظيم في تعامله. وكمية الحب التي قدمها في فعالية مدينة الشباب، كمية حب تحتضن وطناً بأكمله.

حفظ الله بوسلمان، حفظ الله هذا النموذج الجميل الذي نفخر بأنه ملكنا وتاج رؤوسنا، وحفظ أبناء البحرين وشبابها الذين يراهم جلالته مستقبل هذا الوطن، ويحتضن طموحاتهم ويشد من أزرهم ليكونوا خير من يعمل لأجل بلادهم.