قبل فترة تناولت في أحد مقالاتي قضية استغلال حضانة الأطفال كورقة ضغط بعد الطلاق، وأؤكد كما أكدت حينها أن هذا السلوك لا ينطبق على الجميع، فهناك آباء وأمهات يضربون أروع الأمثلة في تحمل المسؤولية بعد الانفصال، لكن وجود نماذج إيجابية لا يلغي الحاجة إلى معالجة الإشكاليات القائمة. وخلال اليومين الماضيين، شهد ملف الحضانة والزيارة حراكاً لافتاً من النيابة العامة، توج بتنظيم طاولة مستديرة ناقشت هذا الملف من مختلف جوانبه.
وما يبعث على التفاؤل أن الهدف الأسمى لهذا الحراك هو حماية مصلحة الطفل، باعتباره الطرف الأضعف في أي نزاع أسري.فالطفل لا يحتاج فقط إلى مسكن أو نفقة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مستقرة، وإلى حب والديه معاً. وأضع تحت عبارة «حب الأب والأم معاً» أكثر من خط، لأن هذه هي الركيزة الأساسية لبناء إنسان سوي وفاعل في مجتمعه. نعم، قد تصنع الظروف القاسية أشخاصاً أقوياء، لكنها في المقابل قد تترك في نفوس آخرين ندوباً يصعب علاجها، فلا نكن نحن الآباء والأمهات سبباً في صناعة تلك الندوب.
إن الخلافات بين الزوجين انتهت بالطلاق، أما الأبناء فلا علاقة لهم بها. لذلك يجب ألا يتحولوا إلى أدوات للانتقام أو أوراق للمساومة أو وسائل للضغط المتبادل. فالحضانة والزيارة ليستا حقاً للأب أو للأم فحسب، بل هما قبل كل شيء حق أصيل للطفل.
ومن أبرز ما ناقشته الطاولة المستديرة وجود إشكالية تشريعية تستحق المعالجة، تتمثل في اختلاف الإجراءات بين جريمة الامتناع عن تسليم الطفل، المنصوص عليها في المادة (318) من قانون العقوبات، والتي تُحرك بناء على شكوى خلال مدة محددة، وبين جريمة الامتناع عن تمكين مستحق الزيارة، المنصوص عليها في المادة (318 مكرراً)، التي تملك النيابة العامة تحريك الدعوى بشأنها من تلقاء نفسها. ومن هنا جاء الاقتراح بتوحيد النصوص التشريعية في المادتين، بحيث تصبح مصلحة الطفل هي المعيار الأول والأساس في تحريك الدعوى، بعيداً عن التعقيدات الإجرائية.
لكن، وبرغم أهمية تطوير التشريعات، فإن القانون وحده لن يحل المشكلة. فالنصوص مهما بلغت دقتها لن تحقق أهدافها إذا ظلت ثقافة ما بعد الطلاق قائمة على الانتقام والعداء وتصفية الحسابات.
نحن بحاجة إلى بناء ثقافة جديدة لما بعد الطلاق، ثقافة تؤمن بأن الانفصال وقع بين الزوجين فقط، أما الأبناء فلا طلاق بينهم وبين والديهم. من حق الطفل أن يعيش في مسكن كريم، وأن يحظى بالرعاية، وأن يشعر بحضور والده ووالدته في حياته، كل بحسب دوره ومسؤوليته، بعيداً عن الصراعات الشخصية.
كما أننا بحاجة إلى برامج وورش توعوية للمقبلين على الطلاق أو لمن وقع بينهم الانفصال، تتناول كيفية إدارة العلاقة بعد الطلاق، وآليات التواصل، والتعامل مع الأبناء، وحل الخلافات بما يحفظ حقوق الجميع، ويجنب الأطفال دفع ثمن نزاعات الكبار. لقد أباح الإسلام الطلاق لحكمة، رغم أنه أبغض الحلال، ولم يجعله سبباً لقطع أواصر الرحمة أو تحويل العلاقة إلى عداوة دائمة. فمن كان بالأمس شريك حياة، ينبغي أن يبقى اليوم شريكاً في مسؤولية تربية الأبناء.
إن توحيد التشريعات خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية. أما البداية الحقيقية فهي الوعي، لأن الطفل لا يحتاج إلى أب وأم يتنازعان عليه، بل يحتاج إلى أب وأم يتفقان من أجله. وعندما تصبح مصلحة الطفل هي المنتصر الوحيد بعد الطلاق، نكون قد نجحنا فعلاً في حماية الطفولة، لا بالنصوص وحدها، بل بثقافة مجتمع يدرك أن الأبناء لا يجوز أن يكونوا ضحايا لانتهاء علاقة زوجية.