بعض الكلمات لا تحمل معنىً واحداً، بل تحمل زمناً كاملاً. وما إن تُذكر حتى تعود إلى الذاكرة صور الأعراس القديمة، وروائح الحطب، وأصوات الجيران، وحكايات الفرح التي كانت تُكتب بأيدي الناس قبل أن تُكتب في الصور.
ومن تلك الكلمات «الإِجرة»، وهي عادةٌ عرفتها مناطق عديدة في الخليج، واتخذت في البحرين طابعاً اجتماعياً خاصاً ارتبط بالمحبة والتكافل ومشاركة الناس أفراح بعضهم بعضاً. والإِجرة هي وليمة الغداء التي يقيمها والد العريس في ثاني أيام العرس، ويدعو إليها أهل الفريج والأقارب والأصدقاء والجيران.
لكن الإِجرة لم تكن مجرد غداءٍ يُقدَّم للضيوف، بل كانت خاتمةً جميلة لموسمٍ كامل من الفرح، ومشهدًا تتجلى فيه أجمل صور التعاون بين الناس.
وقبل أن تصل الإِجرة إلى قدورها الكبيرة، كانت حكايتها تبدأ قبل العرس بأسبوعين أو أكثر.
في الحوش الواسع تُفرَّغ أكياس الأرز في صوانٍ كبيرة، وتبدأ رحلةٌ يومية من العمل الجميل. ففي كل صباح تأتي مجموعة من النساء، وفي العصر تأتي أخرى، ويستمر المشهد يوماً بعد يوم حتى تكتمل الكمية المطلوبة للإِجرة.
كانت النساء يجلسن حول الأرز الأبيض في حلقاتٍ متجاورة، تتحرك أصابعهن بخفة وخبرة بين الحبات، يلتقطن الشوائب الصغيرة، بينما تتصاعد الأحاديث والضحكات والذكريات والدعوات الطيبة للعروسين.
ولم تكن تلك النساء من بيتٍ واحد أو عائلةٍ واحدة، بل كنَّ جاراتٍ وصديقاتٍ وقريبات، جمعتهن المحبة قبل أي شيء آخر. كانت أبواب الفريج مفتوحة للجميع، وكانت الألفة أكبر من كل الاختلافات. فحين يحضر الفرح تتراجع الفوارق، ويبقى الناس أهلاً وجيراناً يجمعهم قلبٌ واحد.
وفي الوقت نفسه تبدأ حركة أخرى لا تقل جمالاً. فالمساند والمطارح والأواني الكبيرة تجد طريقها إلى بيت المعاريس. هذا يرسل قدراً، وتلك تعير مطرحاً، وآخر يبعث بما يحتاجه أهل العرس من أدوات. وكأن الفريج كله يضع شيئاً من بيته في بيت المعاريس حتى يصبح العرس عرس الجميع.
أما نحن الأطفال فكنا نراقب كل ذلك بدهشةٍ لا تنتهي. نرى أكوام الأرز تتناقص من جهة وتزداد نقاءً من جهة أخرى، ونشاهد حركة الداخلين والخارجين، فنشعر أن الفرح يقترب كما يقترب العيد.
ثم يأتي يوم العرس.
ومع اقتراب المِسيان يبدأ البيت في ارتداء ثوب الاحتفال. تُفرش السجاجيد، وتُرتب المساند والمطارح، وتُصف الكراسي الخشبية المطوية التي استُؤجرت من الأندية القريبة، ويُعد المسرح الصغير الذي سيجلس عليه العروسان.
وعلى باب بيت العروس يرتفع سعف النخيل، بينما تتدلى اللمبات الملونة على الجدران والأسوار، فتتحول البيوت البسيطة إلى لوحاتٍ من الضوء. وكانت تلك الحركة وحدها كافية لتخبر المارة أن ليلة الفرح قد حانت.
ثم يحل الليل.
فتصل الفرقة الفنية بأغانيها وأهازيجها، وتتعالى الزغاريد في أرجاء الفريج، وتتلألأ أثواب النشل والزري تحت الأضواء.
وتدور أكواب الفيمتو الباردة بين الحضور، ترافقها المكسرات وقطع الجاكليت بطعم جوز الهند اللذيذ، التي كانت بالنسبة للأطفال جزءًا لا يتجزأ من فرحة العرس.
ولم يكن المسرح الذي يجلس عليه العروسان كما نراه اليوم، بل كان منصةً خشبيةً صغيرة بالكاد تتسع للعروسين وثلاثة أشخاص آخرين.
يأتي بها رجلٌ يعرفه أهل الفريج جميعاً، يؤجرها في مواسم الأعراس، ويظل واقفاً بالقرب منها كحارسٍ أمين، لا تكاد العصا تفارق يده.
وكان أكثر ما يشغله أولئك الأطفال المشاغبون الذين يلتفون حول المسرح، يحاولون الصعود إليه كلما غفل عنهم. فيلوّح بعصاه وهو يردد بلهجته المحببة: «لا تصعدون... بتكسرونه!»، فيفرُّ الأطفال ضاحكين، ثم يعودون بعد دقائق يحاولون من جديد.
وكأن المسرح بالنسبة إليهم لعبةٌ كبيرة، بينما كان بالنسبة إليه مصدر رزقه الذي يخشى أن تعبث به أقدامهم الصغيرة أو تُكسر إحدى قطعه.
ولعل تلك المطاردات البريئة بينه وبين الأطفال كانت جزءاً من طقوس العرس أيضاً، فلا يكتمل المشهد إلا به، واقفاً بعصاه، وبنظراته التي تبدو صارمة، بينما يخفي قلباً يبتسم مثلهم تماماً حين يرى الفرح يملأ المكان.
وتبدأ الزفة..
ولم تكن هناك موائد عشاءٍ فاخرة أو تكلّفٌ مبالغ فيه، فالأعراس القديمة كانت تُعرف بالبساطة الجميلة. كان الناس يأتون ليشاركوا الفرح نفسه، لا ليستعرضوا ما على الموائد.
أما نحن الأطفال فكنا نعيش ليلةً من السحر. نركض بين الضيوف، ونراقب الأضواء الملونة، وننتظر نصيبنا من الفيمتو والجاكليت، ونظن أن الدنيا كلها اجتمعت في ذلك الحوش.
ثم تنتهي السهرة، وتنام الزغاريد مع آخر ساعات الليل.