الساعات الماضية، شهدت فيها دولنا الخليجية تصعيداً أكبر من العدو الإيراني، والذي أثبت فعلاً بأن الهدنة المعلنة بينه وبين الولايات المتحدة فشلت تماماً، وفشلت بالأصح في ضبط سلوك الحرس الثوري ووقف اعتداءاته، لأن الطرف الأخير ينظر إلى أمن المنطقة كورقة يمكنه استخدامها كلما احتاج إلى رفع مستوى الضغط السياسي.

لماذا انهارت الهدنة، ولماذا يصر النظام الإيراني على توسيع دائرة المواجهة حتى مع الدول التي حاولت إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، وقبلها حاولت منع وقوع الحرب؟! لماذا يصر الحرس الثوري إلى تعريض أمنها واستقرارها للخطر الدائم؟!

إجابات هذه الأسئلة باتت واضحة بشكل صريح، وتتلخص في أن النظام الإيراني يسعى إلى الضغط على دول الخليج العربي لدفعها إلى ممارسة نفوذها السياسي من أجل تخفيف الضغوط الأمريكية، مستخدماً أمن المنطقة واقتصادها أداة تفاوض غير مباشرة. هذا الرهان يحمل قدراً كبيراً من المخاطرة. فكل استهداف لدولنا يضع المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد في دائرة الخطر.

طيب، إلى متى ستبقى دول الخليج مكتفية بالرد الدفاعي؟! ورغم التأكيد على نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض الصواريخ والمسيّرات، لكن هل الدفاع وحده يكفي؟! هل حان الوقت ليكون هناك ردع موحد للمعتدي؟!الوضع الحالي يمنح المعتدي الإيراني مساحة لاختيار التوقيت والهدف ومستوى التصعيد، بينما تتحمل دولنا كلفة الاعتراض، وتعطيل الحركة الجوية، ورفع الجاهزية، وحماية المنشآت، وطمأنة المواطنين وحماية الاقتصاد. والمشكلة أن هذه التكلفة تتصاعد مع كل هجوم جديد، حتى لو لم يحقق إصابات مباشرة.

قد يعتقد الحرس الثوري أن دول الخليج لن تتخذ مواقف خارجة عن ضبط النفس، لكننا قد نصل لمرحلة تكون نتائجها معاكسة تماماً. فاستهداف دولنا بهذا الشكل الجماعي مثلما حصل خلال الساعات الماضية، سيدفع الجميع للعمل بأسلوب يؤكد أن أمننا لا يقبل التجزئة، وأن الاعتداء على المنظومة الخليجية بأكملها، وهذا قد يقود إلى مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والسياسي والعسكري، مرحلة ردع جماعي لن تترك للمعتدي الإيراني مجالاً للاستمرار في تصعيد الاعتداءات.

إن حصل هذا، فإن النهاية ستكون أبعد لتوقيع اتفاق جديد على الورق؛ إذ السلوك الإيراني سيدفع الخليج إلى خيارات لا يحبذ سابقاً انتهاجها، وهنا إما يدرك النظام الإيراني بأن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من مكاسبه، فيتراجع تحت ضغط ردع جماعي قوي، وإما أن يواصل رفع سقف المواجهة حتى يصل إلى نقطة يرى فيها رداً قوياً من الجميع، لأن القبول بهذا الوضع لن يستمر، وأمن بلداننا وشعوبنا أهم من إجلاس المفاوض الإيراني على طاولة المفاوضات.

ماذا سيحصل في الساعات أو الأيام القادمة؟! هذا السؤال الذي يفكر فيه الجميع في منطقتنا الخليجية؛ لأن وتيرة العدوان الإيراني باتت تتصاعد بشكل واضح، ومستوى الاستهدافات وصل لأسلوب «ضرب الجميع» وبأي طريقة كانت، ما يعني أن الحرس الثوري وصل بالفعل لمرحلة التدمير الذاتي عبر مساعيه لتدمير الجميع وإيقاع أكبر قدر من الضرر، لأنه يدرك أن توحد جهود الردع للمتضررين والمستهدفين -أي دولنا- للرد عليه، يعني إضعافه وإنهاء قوته للأبد.