أكتب هذه السطور مبتسماً، أكتبها بكل فخر وأنا استرجع الإنجازات التي تحققت خلال ربع قرن لعمل هذه المؤسسة، أكتبها وأنا أعتبر أن إنجازاتها تُقاس بما أعادته من أمل لقلوب كثيرة، وما صنعته من طمأنينة لنفوس عديدة، وما وفّرته من مستقبل لأفراد أرادوا معها يداً تسندهم وتحميهم، فوجدوا قلباً واسعاً ويداً حانية، وجدوا حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه.
في اليوبيل الفضي لتأسيس المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، نجد أمامنا قصة وطنية عظيمة، قصة بطلها جلالة الملك حمد، ملك أعز شأن العمل الإنساني ورفع قدره، وحوّله لعمل مؤسسي راسخ، يحفظ كرامة الإنسان، ويصون الأسرة، ويمنح الأيتام والأرامل حياة تليق بهم.هذه المؤسسة وطوال ربع قرن، هي أحد أبرز المنجزات الإنسانية في عهد جلالة الملك المعظم. تحولت من خلالها الرعاية الملكية لمنظومة متكاملة، تُقدّم الدعم المالي، وتمتد إلى التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأسرية والتمكين، حتى أصبح المستفيد قادراً على بناء حياته وخدمة وطنه.
من المحطات المضيئة التي لا تغيب عن الذاكرة، اللقاء الأول الذي جمع جلالة الملك بالأيتام. لقاء أب بأبنائه. نظر إليهم بقلب الأب الحنون وقال لهم: «أنا والدكم». وكم كانت تلك العبارة الخالدة عظيمة في معناها وأثرها.
اليتيم الذي فقد والده لا يبحث فقط عن المال، بل يبحث عن الأمان، وعن اليد التي تربت على كتفه، وعن القلب الذي يُشعره بأنه ليس وحيداً. وحين يأتيه هذا الشعور من الملك بنفسه، فإن للكلمة معنى يفوق كل المعاني؛ إذ أي شيء أعظم من أن يكون جلالة الملك بنفسه والدك وسندك، وأن تشعر بأن لك أباً يرعاك ويتابعك ويحرص على مستقبلك؟!
عبارة «أنا والدكم» تحولت إلى عهد ورعاية ومسؤولية امتدت لربع قرن. جلالة الملك بنفسه كان ولايزال يتابع المؤسسة ويعتني بأعمالها، ويوجه إلى تطوير خدماتها وتوسيع دائرة المستفيدين منها، ويقدّم لها الدعم الكريم الذي يمكّنها من كفالة الأيتام والأرامل وتأمين الحياة الكريمة لهم. هذا الدعم الملكي المباشر والمتواصل شكّل الركيزة الأساسية لاستدامة برامجها وتوسّع مبادراتها، ومتابعة جلالته حوّلت العطاء إلى عمل مؤسسي منظّم وشامل.
من خلال عمل المؤسسة، جسّد جلالة الملك المعنى العظيم لقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى. ملكنا الإنسان، جعل هذا المبدأ واقعاً حياً، فاحتضنت المؤسسة الأيتام، ورعت الأرامل، وحفظت للأسر كرامتها، وفتحت للأبناء أبواب التعليم والعلاج والتفوق والعمل.
جمعتني خلال السنوات الماضية مواقف عدة مع مسؤولين في المؤسسة، وتعرّفت شخصياً من خلالهم على جوانب إنسانية عظيمة في عملها. وما يُعلن عنه من أعمال المؤسسة ليس إلا جانباً من الصورة؛ فهناك الكثير من المواقف والمبادرات والمساعدات التي لا يُعلن عنها، لأن فعل الخير في جوهره هو الوصول إلى المحتاج وحفظ كرامته. عرفت أن وراء كل ملف حكاية إنسان، ووراء كل مساعدة أسرة استعادت استقرارها، ووراء كل منحة تعليمية شاباً أو فتاة تمسّكا بحلمهما، ووراء كل علاج طفلاً عادت الابتسامة إلى وجهه، ووراء كل أرملة أماً وجدت من يعينها على أداء رسالتها وتربية أبنائها.
استفاد من كفالة المؤسسة منذ تأسيسها أكثر من اثنين وثلاثين ألف يتيم وأرملة. لكن القيمة الحقيقية لهذا الرقم تكمن في التحول الذي تحقّق في حياة المستفيدين. فكثير من الأيتام الذين استقبلتهم المؤسسة صغاراً كبروا اليوم، ونالوا تعليماً متميزاً، وتخرّجوا في الجامعات، ودخلوا سوق العمل، وأصبحوا عناصر فاعلة تردّ الجميل لوطنها وتُسهم في تنميته.
قصة المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية خلال ربع قرن عرّفتنا بصورة أعمق على الجانب الحنون والإنساني من شخصية جلالة الملك المعظم. عرّفتنا على ملك ينظر إلى أبناء شعبه باهتمام، يقترب من همومهم، ويشعر بآلامهم، ويحتضن المحتاج منهم، ويضع رعايتهم في مقدمة أولوياته.
في هذه الذكرى، نعبّر عن الفخر والامتنان لجلالة الملك حمد، حفظه الله ورعاه، لما قدّمته هذه المؤسسة طوال خمسة وعشرين عاماً، وأثرها الذي سيظل ممتداً في حياة آلاف الأسر، وفي ذاكرة كل يتيم أيقن أنه لم يعد وحده، وكل أرملة وجدت من يقف إلى جانبها، وكل إنسان أعادت إليه المؤسسة ثقته بالمستقبل.
إنها قصة ملك إنسان، وأب حانٍ على أبنائه، وقائد نفخر بأنه بحق.. ملك للإنسانية ووالد للجميع.