في أحد المقاهي، جلست أراقب سيدة أنيقة تقلب قائمة الطعام بقلق، تسأل عن عدد السعرات الحرارية، ونسبة الدهون، ونوع الحليب، ثم أغلقت القائمة، وقالت بوجه شاحب: «لا أريد شيئاً.. أخشى أن أفسد نظامي الغذائي، بالرغم من علامات الجوع البارزة على وجهها». وعلى الطاولة المجاورة، كان شاب يرفض وبشدة تناول قطعة كعك في عيد ميلاد صديقه؛ لأنه لم يُنهِ تمرينه اليوم. عندها أدركت أن الأمر لم يعد مجرد اهتمام بالصحة، بل تحول لدى البعض إلى هاجس يرافقهم في كل وجبة، وكل خطوة، وحتى كل نظرة إلى المرآة.
في زمن أصبحت فيه الصحة محوراً للنقاش اليومي، وبين آلاف النصائح التي تغزو شاشات هواتفنا، يبرز سؤال مهم: هل نعيش وعياً صحياً حقيقياً، أم أننا أصبحنا أسرى لهوس جديد يستنزف راحتنا أكثر مما يحمي صحتنا؟
لا شك أن الاهتمام بالصحة أمر إيجابي، فالغذاء المتوازن والرياضة والنوم الجيد أساس لحياة أفضل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاهتمام إلى ضغط دائم؛ عندما تصبح كل وجبة مصدر قلق، وكل زيادة بسيطة في الوزن سبباً للتوتر، وكل يوم لا نمارس فيه الرياضة شعوراً بالذنب.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تضخيم هذا الهوس، من خلال صور الأجسام المثالية، والروتينات الصحية المثالية، والنصائح المتعددة التي تجعل الإنسان يقارن حياته الواقعية بصور منتقاة لا تعكس الحقيقة كاملة. فأصبح البعض يطارد شكلاً مثالياً قد لا يكون موجوداً أصلاً.
حتى الرياضة، التي يفترض أن تكون مصدراً للطاقة والسعادة، تحولت لدى البعض إلى وسيلة لمعاقبة الذات والخوف من فقدان السيطرة على الوزن. وهنا يصبح السؤال: هل نحن نمارس الرياضة لنحافظ على صحتنا، أم لأننا نخشى ألا نكون بالمظهر الذي يرضينا أو يرضي الآخرين؟
الصحة الحقيقية لا تعني الحرمان، ولا النحافة بأي ثمن، ولا مراقبة كل لقمة وخطوة. إنها توازن بين العناية بالجسد والراحة النفسية، وبين الالتزام والاستمتاع بالحياة.
ففي النهاية، الهدف من الصحة ليس أن نعيش تحت سيطرتها، بل أن تمنحنا القدرة على أن نعيش حياة أكثر راحة وطمأنينة.