منذ اندلاع الحرب، والسؤال الذي يتردد «من يحكم إيران فعلاً»؟! والإجابة ليست سهلة كما يظن البعض؛ إذ كل ما يصدر عن طهران خلال الأشهر الماضية يوحي بأن القرار لم يعد يخرج من مؤسسة سياسية واحدة، بل من مركز قوة آخر يبدو أنه أصبح صاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

على الورق، يوجد مرشد أعلى، ورئيس جمهورية، ووزير خارجية، ورئيس للبرلمان، ومجلس للأمن القومي، ومؤسسات دستورية متعددة.

لكن على أرض الواقع، الصورة مختلفة تماماً.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يتحدث عن المفاوضات، ووزير الخارجية عباس عراقجي يخرج بصورة متكررة ليتحدث عن تفاصيل الحرب، وعن مقتل المرشد السابق، وعن استعدادات إيران العسكرية، بينما ترتفع داخل إيران أصوات تدعو الشارع إلى عدم مهاجمة عراقجي أو محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان أو بزشكيان، باعتبار أنهم يمثلون تياراً يسعى إلى التفاوض وإنهاء أجواء الحرب، على الأقل هذا الظاهر.

في الجهة المقابلة، يستمر الحرس الثوري في التصعيد العسكري، وتستمر الصواريخ والمسيّرات في الانطلاق، وتتواصل الاعتداءات على دول الخليج العربي، وهو ما يعني أن القرار العسكري يسير في اتجاه مختلف تماماً عن الخطاب السياسي الذي يتحدث عن التفاوض.

هذه مفارقة صريحة؛ فإذا كانت هناك شخصيات رسمية تدفع نحو التفاوض، بينما يستمر التصعيد بلا توقف، فمن الواضح إذا بأن القرار النهائي لا يصنع على طاولة الدبلوماسية، وإنما في مكان آخر.

هنا يبرز اسم أحمد وحيدي رئيس الحرس الثوري، باعتباره الشخصية الأكثر نفوذاً داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية، ومؤخراً كشفت تقارير بأنه هو من يقف خلف الرسائل والتوجيهات المنسوبة إلى مجتبى خامنئي.

الجميع يتساءل: أين مجتبى خامنئي؟! ولماذا لم يظهر بخطاب مباشر منذ توليه موقعه؟! ومن الذي ينقل توجيهاته؟!

ومن الذي يتحدث باسمه؟!

وهل الرسائل المنسوبة إليه تعكس قراره فعلاً، أم أنها تعكس قرار من يدير المشهد بدون أن يظهر في الصورة؟!

أسئلة يفرضها المشهد الإيراني نفسه، بما يحمله من غموض وتناقضات. فحين يغيب رأس الدولة عن المشهد، بينما تستمر الحرب بوتيرة متصاعدة، يصبح من الطبيعي التساؤل، هل مازال القرار يصدّر من موقع المرشد، أم أن المؤسسة العسكرية أصبحت هي صاحبة القرار الأول والأخير؟!

الحرس الثوري اليوم هو القوة الأكثر تأثيراً داخل إيران. والمؤكد أيضاً أن أحمد وحيدي يقف في قلب هذه المؤسسة، ويمتلك نفوذاً واسعاً داخلها، وهو ما يجعل اسمه حاضراً بقوة في أي نقاش يتعلق بمستقبل الحرب والتصعيد.

هذا الجزم الحاصل الآن، لأنه إذا استمرت الصواريخ والمسيّرات في رسم السياسة الإيرانية، بينما تتراجع الدبلوماسية لتتحول إلى تصريحات إعلامية فقط، فإن الانطباع لدى كثيرين سيكون واحداً، بأن من يملك السلاح، هو من يملك القرار، وأن مستقبل المنطقة لن يتغير ما دام قرار الحرب هو المسيطر. باختصار طالما الحاكم الفعلي أحمد وحيدي موجود.