من أبرز الأغنيات الوطنية التي ارتبطت بمرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، جاءت رائعة «مصر التي في خاطري وفي دمي»، التي كتب كلماتها أحمد رامي، ولحنها رياض السنباطي، وغنتها كوكب الشرق أم كلثوم، حيث تحولت إلى رسالة وطنية احتفت بالانتماء، ورسخت صورة مصر في وجدان أبنائها، باعتبارها وطناً يفيض بالعزة والكرامة والأمل.

وعلى المستوى الشخصي، أؤمن أن هذه القصيدة لم تخاطب المصريين وحدهم، بل خاطبت وجدان كل عربي، فقد كانت مصر، بالنسبة إلى أجيال متعاقبة، عنواناً للحضارة والتاريخ، ورمزاً لنهضة الأمة وتطلعاتها، ومنارةً ألهمت شعوب المنطقة في سعيها إلى بناء مستقبل أكثر إشراقاً.

ولا زلت أذكر كيف كان يتحول حديث الوالد، رحمه الله، إلى حالة وجدانية جميلة عندما يتم التطرق إلى مصر، ولم يكن والدي استثناءً، فقد كان من جيل ارتبط وجدانياً بمصر، ورأى فيها نافذةً على المعرفة والثقافة والأمل.

فقد كانت مصر، بالنسبة إلى أجيال كاملة، أكثر من مجرد دولة محورية في المنطقة؛ كانت مدرسة للفكر، ومنارة للثقافة، وعاصمة للفن، وحاضنة للعلم، حيث استقبلت على مدى سنوات الآلاف من الطلبة العرب من كل الأقطار، ليعودوا إلى بلدانهم محملين بالعلم والمعرفة، ليساهموا في بناء أوطانهم في كل المجالات.

ولم يقتصر أثر مصر على جامعاتها ومؤسساتها التعليمية، بل امتد إلى إرسال آلاف المعلمين إلى مختلف الدول العربية، حيث أسهموا في وضع اللبنات الأولى لأنظمتها التعليمية الحديثة، ولم تكن رسالتهم تقتصر على تدريس العلوم والمعارف، بل حملوا معهم رسالة أوسع، تقوم على غرس قيم الانتماء، وترسيخ الهوية العربية، وبناء أجيال تؤمن بأوطانها، وتعتز بهويتها العربية، وتدرك أن مستقبلها يرتبط بمستقبل أمتها.

وعندما قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، لم ينظر إليها ملايين العرب على أنها شأن مصري فحسب، بل باعتبارها بداية مرحلة جديدة في التاريخ العربي الحديث، وأسهمت في إعادة تشكيل الوعي السياسي في المنطقة لعقود طويلة.

ولم تكن البحرين بعيدة عن هذا التأثير؛ فقد ارتبطت بمصر بعلاقات أخوية راسخة عبر عقود، واحتضنت الجامعات المصرية أجيالاً من الطلبة البحرينيين، فيما أسهم المعلمون المصريون في مسيرة التعليم والتنمية بالمملكة، لتظل العلاقة بين البلدين نموذجاً للأخوة العربية القائمة على التاريخ والمصير المشترك.

وفي ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، نستحضر محطة مفصلية في التاريخ العربي، ونستذكر الدور الحضاري والثقافي الذي اضطلعت به مصر في نهضة الأمة.

وستظل مصر، كما كانت دائماً، حاضرة في وجدان العرب، ليس لأنها دولة كبيرة فحسب، بل لأنها كانت، ولا تزال، منارة للعلم والثقافة، وصوتاً للعروبة، وبلداً يسكن في خاطر كل العرب.

لهذا السبب، كلما سمعت «مصر التي في خاطري» أو استعدت أحاديث والدي، أدركت أن حب مصر يمثل حالة وجدانية عاشت في قلوب أجيال، وستبقى ما بقي التاريخ العربي يروي قصة أمة جمعتها اللغة والثقافة والمصير الواحد.