في زمن الفضاءات المفتوحة تحولت بعض منصات التواصل الاجتماعي من نوافذ للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة لممارسة أبشع أنواع التسول الرقمي بطرق وقحة وتافهة تثير الاشمئزاز. لقد بتنا نشهد يومياً انحداراً مخيفاً في المحتوى الذي يقدمه بعض اللاهثين خلف سراب الشهرة حيث تباع الكرامة، وتهدر القيم من أجل حصد المزيد من المتابعات والإعجابات الوهمية.

وما يثير الاستهجان في هذا المشهد المبتذل هو تلك الأساليب الرخيصة التي تبتدعها بعض الحسابات لاستجداء المتابعين واستغفال الجمهور. فبأي منطق يقبل العقل فكرة أن يخرج علينا موظف في شركة ليعلن تكفله بمصاريف سفر مسؤوله بشرط واحد هو حصول الحساب على عدد معين من المتابعين. وكيف يمكن استيعاب هذا السقوط حين تقوم إحدى الشخصيات ضمن فريق حساب ما بتقديم وعود بأداء تحديات سخيفة ومبتذلة إذا ما وصلت الإعجابات على المنشور لرقم محدد. إنها تجارة رخيصة تعتمد على ابتزاز فضول المتابعين وتحويلهم إلى مجرد أرقام تزيد من رصيد هؤلاء المتسولين الجدد.

ولكي نكون أكثر إنصافاً في تشخيص هذا الانحدار فإن اللوم لا يقع حصراً على تلك الشخصيات التي تطرح هذه الأفكار التافهة وتكرر سقطاتها بدم بارد بل يمتد ليشمل جزءاً كبيراً من الجمهور الذي يتحمس لدعم هؤلاء ومتابعتهم. هذا الجمهور ينقسم في غالبه إلى صنفين الأول يرى في هذه التفاهة أمراً عادياً ومقبولاً، ولا يعنيه أبداً ما تسببه من ضرر مجتمعي أو خدش للذوق العام والثاني صنف يتابع بشغف، لكنه يرتدي عباءة الناقد والناقم مبرراً لنفسه بأنه لا يدعمهم، بل يتابعهم فقط ليرى إلى أي حد يصلون في التفاهة والسقوط متجاهلاً أن مجرد مشاهدته لهم تمنحهم الأرقام التي يطمحون إليها، وتجعل منه شريكاً في الترويج لهم.

وعلى الضفة الأخرى يقف طرف غائب حاضر وهو الجهات الرسمية المعنية. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هل تلاحظ هذه الجهات كما نلاحظ نحن حجم هذا الانحطاط والأفكار المنافية لقيم مجتمعنا وهل ترصد كمية البذخ والصرف المبالغ فيه الذي تستعرضه هذه الحسابات يومياً. إننا نرى رحلات مكوكية لمختلف دول العالم وعروضاً وجوائز خيالية وهو ما يدفعنا لطرح السؤال المنطقي والمشروع من أين لكم هذا.

ونرجو ألا يخرج علينا أحد ليردد تلك الأعذار الواهية التي يتغنى بها بعض توافه التواصل الاجتماعي مدعياً أن هذا الثراء هو مجرد حصيلة لإعلانات القهوة أو ترويج لبعض حسابات الادخار البنكية فهذا استخفاف فج بالعقول لا ينطلي على أحد.

إلى أي حدّ وصل بنا اللهاث خلف الشهرة؟ إن شهرة تُبنى على التسوّل وفقدان ماء الوجه شهرةٌ زائفة لا تصنع احتراماً، ولا تبني مجداً، بل تكشف خواءً يسيء للمجتمع بأسره.

وقد آن للمتابعين أن يدركوا أنّ تفاعلهم هو ما يغذي هذا العبث، وأن تجاهل هؤلاء هو الرد الأبلغ لوقف هذا الغثيان الرقمي.