كان الإعلان عن تطبيق نظام البكالوريا الدولية (IB) في المدارس الحكومية، مرحلة جديدة في مسيرة التعليم البحريني، لما يمتلكه من أساليب تعليمية عالمية. ويؤكد أن المدرسة الحكومية ما زالت قادرة على التجدد، وأن التعليم هو استثمارًا طويل الأجل في وطن يعرف أن أغلى موارده هو الإنسان، حيث إن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة تكمن في انتقال المدرسة الحكومية من التركيز على نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التفكير، ومن الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة إلى تدريب الطالب على النقاش والتأمل العقلي، لذلك كانت نقلة نوعية سباقة ومشروعاً استراتيجياً في التعليم الحكومي. إنني شخصياً عشت هذه التجربة مرتين مع بناتي وانغمست فيها كثيراً لأني أعرف – كأستاذ جامعي - قيمتها التعليمية العالمية، وكم من مرة أنقل بناتي من مدرسة خاصة إلى أخرى، رغم التكلفة المالية والمجهود الدراسي الذي تحتاجه، أو بُعد المدرسة عن سكني، سعياً وراء هدف واحد هو الحصول على البكالوريا الدولية، لأني أدرك نتيجتها التي تفتح للطالب أبوب الجامعات العالمية لمجرد أنه حاصل على البكالوريا الدولية. لذلك فإن خطوة وزير التربية والتعليم، د. محمد بن مبارك جمعة، هي خطوة وجب دعمها وتبنيها، بل وفرصة يجب أن يسعى لاقتناصها كل طالب بحريني، لأنها لا تُمثل مجرد تحديثٍ إداري وتطوير للمناهج أو تنويعٍ للكتب، بل قفزة نوعية بالقطاع إلى المستقبل والعالمية لما يتميز به هذا النوع من التعليم من اهتمام بمهارات التحليل والاستقصاء وربط المعرفة بالواقع والعمل الجماعي، بحيث يصبح الحوار جزءاً من عملية التعلم، ويغدو التفكير النقدي والبحث ممارسات يومية، وهي مهارات تعتمدها الجامعات وسوق العمل. كما تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تزيل الحواجز المادية والاجتماعية التي حصرت هذه البرامج التعليمية سابقًا في فئات محدودة، لتصبح متاحة لكل طالب بحريني متميز، بما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص، ويجسد أحد المرتكزات الأساسية للمشروع الإصلاحي لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه حيث يُعد إصلاح التعليم مرتكزاً أساسياً في هذا المشروع مع الحفاظ على الخصوصية وثوابت الهوية الوطنية. يحقق هذا النظام أيضاً هدفاً وطنياً إضافياً لطلابنا – أدركه بحكم تخصصي – وهو زيادة الوعي والثقافة الإعلامية والتمكن من تطبيقات الإعلام الرقمي في العملية التعليمية، وهو ما يساعد شبابنا على فهم الأحداث وكشف التضليل والتزييف الإعلامي، وهي قضية لطالما عانينا منها كثيراً في الأزمة الأخيرة، إذ يسهم هذا الأسلوب من التعليم في تحقيق هذا الهدف من خلال تركيزه على بناءً الشخصية، وتنميةً التفكير النقدي والبحث والتحليل لدى الطلاب وزيادة خبراتهم بالتقنيات الحديثة. إن تبني هذا النظام يعد تحولاً إصلاحياً استراتيجياً يعكس حالة النضج التي وصل إليها قطاعنا التعليمي، وقدرته على دمج الأفضل عالمياً مع الثوابت الوطنية. ويرز أن النظرة إلى التعليم لدينا ليس مدارس فقط، إنما مؤسسات وطنية لصناعة أجيال متميزة قادرة على اختراق المستقبل وهم مسلحون بأحدث الاتجاهات العالمية في التعليم، وأنها خطوة سوف تحذوها العديد من دول المنطقة قريباً.