خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ينفي تدخل إيران في الشؤون اليمنية، وليقول إن الحوثيين مستقلون تماماً ويتخذون قراراتهم وفقاً لمصالحهم الخاصة.

الكلام جاء بعد الهجمات الحوثية الأخيرة على الشقيقة السعودية، وبعد تأجيل الاجتماع المقرر في صلالة لبحث مستقبل مضيق هرمز.المضحك في تصريحات بقائي أنه فجأة اعتبر الحوثيين «مستقلين تماماً»، رغم أنهم الجماعة نفسها التي ارتبط اسمها طوال سنوات بشحنات الأسلحة الإيرانية، والصواريخ والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية والتدريب والخبراء.

لجنة خبراء الأمم المتحدة قالت في تقريرها لعام 2024 إن الحوثيين لا يملكون، من دون دعم خارجي، القدرة على تطوير وإنتاج منظومات معقدة من الصواريخ الباليستية والمجنحة والمضادة للسفن والطائرات المسيّرة، وأشارت إلى التشابه الواضح بين معداتهم وما تنتجه إيران، وإلى استمرار وصول مكونات ذات تقنيات معقدة إلى اليمن.

عمليات ضبط شحنات السلاح الإيرانية إلى الحوثيين تمتد لسنوات طويلة، وقد أُعلن عن ضبط ما لا يقل عن 18 سفينة لتهريب السلاح إليهم بين 2015 و2023 وحدها.

ركزوا، إذ هنا نتحدث عن مشروع عسكري نما برعاية إيرانية حتى أصبحت جماعة يمنية تمتلك صواريخ باليستية ومجنّحة ومسيّرات وقدرات بحرية تستطيع تهديد دول ومدن ومنشآت وممرات دولية.

الحوثيون أنفسهم لم يحاولوا إخفاء موقفهم مع بداية الحرب الحالية. في 13 مارس الماضي أعلن عبدالملك الحوثي صراحة أن جماعته تعتبر العدوان على إيران استهدافاً للمنطقة كلها، وقال إنهم معنيون بالوقوف إلى جانبهم، وأعلن الجهوزية لكل التطورات في هذه المعركة. لم يقل إنه محايد، بل أعلن موقفه بوضوح.

بعد ذلك جاءت التهديدات. في يوليو هدد الحوثي بأن المنشآت النفطية والحيوية السعودية ستكون أهدافاً لصواريخ جماعته ومسيّراتها، ثم أعلنت الجماعة ما سمّته «حظر الملاحة البحرية» على السعودية وهدّدت السفن المتجهة إلى موانئها. وبعدها عادت الصواريخ والمسيّرات الحوثية إلى استهداف الأراضي السعودية، وصولاً إلى الهجمات الأخيرة على قاعدة الملك خالد في خميس مشيط وغيرها من الأهداف.

رويترز كشفت في يوليو، نقلاً عن مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية، عن نقل طهران قادة ومستشارين من الحرس الثوري ومعدات مرتبطة بالصواريخ والمسيّرات إلى مناطق الحوثيين. وبعد أيام أعلن الحوثيون حصارهم البحري على السعودية وبدأ التصعيد العسكري الجديد.إيران، كالعادة، نفت تسليح الجماعة. وهذا في سياق أسلوب معتاد سأشرحه أدناه.

قبل ذلك، إيران لم تكتفِ بما أطلقته بنفسها من صواريخ ومسيّرات وما مارسته من ضغوط واعتداءات في مضيق هرمز وعلى دول المنطقة. بالتوازي حرّكت جماعات مسلحة موالية لها في العراق، وطال التصعيد خط النفط السعودي «شرق-غرب»، الذي يمثل أحد أهم البدائل لتصدير النفط بعيداً عن هرمز، فيما أكدت بغداد أن الطائرات المسيّرة المستخدمة انطلقت من الأراضي العراقية. وفي الجبهة الأخرى تحرّك الحوثيون في اليمن وفتحوا باب المندب والجبهة السعودية على تصعيد جديد.

إيران عندما تصنع شبكة من الجماعات المسلحة في الخارج، وتسلحها وتدربها وتنقل إليها التكنولوجيا والخبرات، ثم تستخدم هذه الجماعات خطاباً سياسياً واحداً وتتحرك في الأزمات بما يخدم الضغط الإيراني على خصوم طهران، يصبح الحديث عن «الاستقلال التام» أمراً هزلياً.

هذه طريقة إيرانية قديمة في التعامل مع العملاء والوكلاء. ما دام الوكيل ناجحاً فهو جزء من «محور المقاومة»، وتحتفي به وسائل إعلامهم وقادتهم ويُقدم بوصفه امتداداً لمشروعهم الإقليمي. لكن عندما تفشل العملية، أو ينكشف المخطط، أو تصبح أفعال الوكيل عقبة أمام مسار دبلوماسي تحتاج إليه طهران، يتحول فجأة إلى طرف «مستقل تماماً».

تشبه المسألة ما يحدث في عالم الجاسوسية، حين يعمل الجاسوس لمصلحة من زرعه فهو مهم ومفيد، لكن عندما يُقبض عليه، أول إجراء هو إنكار العلاقة به. الفرق أن وكلاء إيران غالباً ما يوفرون على الجميع عناء الإثبات؛ فهم أنفسهم يعلنون ولاءهم، ويتبنّون خطاب طهران، ويتفاخرون بعلاقاتهم، ثم يفاجَؤون لاحقاً بأن الجهة التي خدموها تتبرّأ منهم عند أول أزمة.

صَدَقَ من قال «إن الحماقة أعيت من يداويها»؛ إذ ماذا يتوقّع من يبيع بلده ويضع سلاحه في خدمة مشروع دولة أخرى؟! هل يعتقد أن طهران ستغامر بمصالحها واتصالاتها ومفاوضاتها من أجله عندما يصبح عبئاً عليها؟!إيران تستخدم العميل ما دام مفيداً، وحين ترتفع كلفته السياسية تبدأ المسافة بينهما بالاتساع، ويتحول «الحليف» إلى مجرد جماعة تتخذ قراراتها «وفق مصالحها الخاصة».

اليوم بلسان بقائي تتبرّأ طهران من الحوثيين لأن عملياتهم جاءت في لحظة تحاول فيها فتح أبواب الحوار حول هرمز. وغداً قد تتبرأ من ميليشيا عراقية أو خلية أو مجموعة أخرى إذا أصبحت عبئاً على حساباتها.

هذه هي القاعدة التي ينبغي أن يفهمها كل من ارتضى أن يكون ذيلاً لمشروع إيران، سيأخذ منك النظام الإيراني ما يحتاجه، وسيمنحك السلاح والشعارات بقدر ما تخدم مصالحه، لكنه لن يمنحك ضماناً واحداً بأنه سيعترف بك عندما يأتي يوم الحساب.

الأغرب أن التجربة تتكرر، ومازالت هناك «ذيول» تصدّق إيران.