في لقائه الأخير مع رؤساء تحرير الصحف سُئِلَ معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة سؤالاً في غاية الأهمية وهو «كيف ستتعاملون مع محاولات العزل الطائفي الذي تسعى له إيران؟».
وقبل أن أعلق على السؤال أود التنويه أن لقاءات معالي وزير الداخلية دائماً ما تأتي بإضافة نوعية جديدة، من خلالها تستطيع أن تتلمس توجهات الدولة عند كل منعطف يمر بالبلاد، وحديثه دائماً ما يكون معبراً بشكل جيد عن سياستها الحصيفة الواضحة، وهو كمتحدث يستطيع أن ينقل لك الصورة، وتستقي من إجاباته كيف تفكر القيادة.
وعودة للسؤال.. أعتقد أن هذا السؤال وضع يده على معضلة كبيرة تشكل لنا تحدياً مستقبلياً وهو سؤال يفتح قوسين «ما هو مشروع الدولة لكسر العزلة الموجودة حالياً، والتي نجحت إيران في تفعيلها بين العديد من القرى وبين الدولة»؟ المقصود هنا القرى التي سيطر عليها تيار الولائيين لعقود. نحن نتحدث عن شريحة كبيرة من أجيال بحرينية أغلبها محصورة في قرى معروفة ومحددة.
مع كل الاحترام والتقدير لأهل القرى دون المساس بكرامتهم المحفوظة، إلا أن إيران نجحت في «عزلهم» نفسياً بالدرجة الأولى، وجعلت من أبنائهم وقوداً لحرب إيرانية مع البحرين منذ الثمانينات إلى اليوم دفعوا لولائهم بشباب تلك القرى ضاع مستقبلهم، عزلة لم تنجح الدولة في كسرها أو تجنبها، وربما عززتها دون قصد، علينا أولاً أن نقر بهذه الحقيقة إن أردنا مواجهة هذه المعضلة وفك تلك العزلة.
وبالمناسبة واقع انعزال العديد من القرى البحرينية، واقع لا يتفق أبداً مع فطرة التعايش التاريخية بين أهل البحرين سنة وشيعة مدناً وقرى، خاصة في الفترة التي تلت تولي الشيخ عيسى بن علي الحكم، حيث عمل على دمج التعدديات منذ لحظة توليه حين سعى لتوسيع وامتداد المنامة لا العكس، أي تمدين القرى لا تريف المدن، إذ وسع من دائرة المجتمع المدني، فعزز للمنامة ثقلها الثقافي والاجتماعي، وحدثت حركة نزوح كبيرة من القرى للمنامة ومعها تم خلق مزاج جديد للمناميين تعزز أيضاً بظهور المد القومي في الخمسينات، توسع السوق فتوسعت المجالس، وتنوعت الأنشطة.
إنما في زماننا قمنا -مع الأسف- بالعكس تماماً، تحت مسمى مشروع «امتدادات القرى» حيث اعتقدنا أن العملية لا تزيد عن بناء وحدات سكنية على أطراف القرية يسكن فيها أبناء ذات القرية، والنتيجة أننا أبقينا على سكانها في الداخل ومشاريعنا الإسكانية وتخطيطنا للمدن أغلقت عليهم حدود القرية، وحتى الاستملاكات العامة كلها عززت عزلة تلك القرى، وقام مجتمع القرية أيضاً بمزيد من الانغلاق من خلال بقاء الطلبة والإداريين والمدرسين في المدارس الحكومية من ذات القرية أو القرى القريبة منهم، وذلك بتحفيز ودعم من تيار الولائيين، وأخطأت الدولة بعدم إدراك خطورة تلك السياسة.
تلك العزلة كانت واحدة من أهم الهدايا التي قدمت وسمحت بانفراد تيار ولاية الفقيه بأهل القرى بشكل كامل، وعملت على مدى خمسة عقود على احتكار أهلها دينياً وثقافياً وأخيراً عزلها وطنياً تماماً عن «الدولة».
لذلك ففك العزلة يحتاج إلى جهد يتجاوز منع الاتصال بالمشروع الإيراني، فك العزلة يحتاج أكثر من إبعاد المؤججين والانعزاليين، فك العزلة يحتاج أن تكون هذه القرى مفتوحة بتخطيطها العمراني وبتنويعها الديمغرافي، ويحتاج إلى إيجاد فضاء إعلامي وثقافي وترفيهي بسقف مرتفع، وحماية تسمح للقائمين على ذلك المشروع من أبناء القرية المؤمنين بالانفتاح على الدولة، يسمح لهم بمناقشة أفكار العزلة وتفنيدها من الشيعة للشيعة، ومن السنة مع الشيعة، ومن الدولة ممثلة بمسؤوليها مع الشيعة ومع السنة.
كيف نفك العزلة؟ كيف نعيد تعريف الآخر؟ كيف نمحي خمسة عقود من الصور المقحمة على مخيلته؟ كيف نعيد البحريني من سكان القرى إلى موقعه الجغرافي الحقيقي الواقعي الذي فيه أخوه السني أقرب إليه من الإيراني والعراقي الجنوبي واللبناني الجنوبي والحوثي؟ تلك معضلة تحتاج أن نفكر فيها بشمولية تتجاوز ملاحقة دعاة الفتنة ومطاردة تغريداتهم، إنها معركة المستقبل الوطني على الأرض الجغرافية والتي تتجاوز الفضاء الإلكتروني.