لم يكن استشهاد الأدميرال ليام إم. هولين Liam M. Hulin بالمثل الشعبي العراقي «اتحزّم للواوي بحزام سبع» خلال احتفالات العراق بيوم السيادة الوطنية أمراً عابراً؛ إذ حمل هذا الاستشهاد دلالة سياسية تتجاوز الإطار الاحتفالي للمناسبة. فعلى الرغم من الصعوبات المرتبطة بنطق العربية بلهجة عراقية، فإن اختيار المثل عكس إدراكاً لطبيعة البيئة الأمنية والسياسية التي يعمل العراق ضمنها، كما أن دلالته بدت واضحة للحاضرين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء العراقي الزيدي.
ويختزل المثل تصوراً واقعياً للعلاقة بين السيادة والقدرة على حماية الدولة. فمطالبة العراق بانسحاب قوات التحالف لا تعني بالضرورة امتلاكه جميع الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية والإقليمية. ومن ثم، فإن الواقعية السياسية لا تنطوي على التخلي عن السيادة، بل تستند إلى تقدير موضوعي لموازين القوة، وتحديد دقيق للتهديدات، ومواءمة القرارات السياسية مع الإمكانات الفعلية للدولة.
وفي هذا السياق، يحتل العراق موقعاً محورياً في بنية التوازنات الإقليمية. فموقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين شبه الجزيرة العربية وبلاد حوض الرافدين، وآسيا الوسطى وأوروبا. كما يمتلك موارد طبيعية وبشرية تؤهله لأداء دور مؤثر في محيطه الإقليمي، شريطة تحويل هذه المقومات من عناصر كامنة إلى مصادر فعلية للقوة الوطنية.
ولا ينبغي النظر إلى يوم السيادة العراقية، المتزامن مع انسحاب قوات التحالف، باعتباره نهاية لمرحلة عسكرية فحسب، بل بوصفه اختباراً مؤسسياً لقدرة الدولة العراقية على إدارة شؤونها الأمنية والسياسية. فالانسحاب يقلص نطاق المسؤولية المباشرة للقوى الخارجية، لكنه يوسع نطاق الالتزامات الواقعة على عاتق الحكومة العراقية، ولا سيما في مجالات حماية الحدود، وضبط المجال الأمني، ومنع استخدام الأراضي العراقية في أعمال تستهدف دولاً أخرى أو في صراعات إقليمية بالوكالة.
وعليه، فإن السيادة لا تُقاس بالمظاهر الاحتفالية أو بالخطاب السياسي، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج القرار الوطني، وتنفيذه، وحماية مؤسساتها من الضغوط الداخلية والخارجية، وتحمل تبعات خياراتها السياسية والأمنية.
ويواجه العراق، في المرحلة الراهنة، مسارين رئيسيين. يتمثل المسار الأول في إعادة بناء موقعه باعتباره دولة ذات مصالح وطنية مستقلة، قادرة على تنويع شراكاتها الخارجية دون الوقوع في تعدد الولاءات. أما الثاني، فيتمثل في استمرار بقائه ساحة لتنافس المحاور الإقليمية والدولية.
ويتطلب المسار الأول إعادة تنظيم العلاقات مع القوى الدولية على أساس المصالح المتبادلة، وتطوير تفاهمات متوازنة مع دول الجوار، وتعزيز استقلال القرار الوطني، فضلاً عن معالجة مصادر الضعف المرتبطة بالسلاح غير المنضبط، والاستقطاب السياسي.
فالدولة التي تعجز عن إدارة مجالها الأمني والسياسي ستترك فراغاً تملؤه قوى أخرى وفقاً لمصالحها. ومن ثم، يبدأ الاختبار الحقيقي للسيادة العراقية بعد الانسحاب، من خلال قدرة الدولة على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ، ومواردها إلى قوة اقتصادية، وإمكاناتها الأمنية إلى مؤسسات وطنية فاعلة.
ومع ذلك، فإن امتلاك عناصر القوة لا يؤدي تلقائياً إلى امتلاك النفوذ؛ إذ يتطلب النفوذ قراراً سياسياً وطنياً، ومؤسسات مستقرة، وعقيدة أمنية واضحة، واقتصاداً قادراً على تقليص قابلية الدولة للابتزاز الخارجي. وبغياب هذه الشروط، تظل السيادة إطاراً قانونياً ورمزياً أكثر منها قدرة فعلية على توجيه الخيارات الوطنية.