قبل سبع سنوات كتبت هنا تحت عنوان «بشبابها تستمر البحرين“، وكان الحديث يومها عن ضرورة الاستثمار في الشباب، وفتح الأبواب أمامهم، ومنحهم الثقة ليكونوا ضمانة لاستمرارية الدولة وتطور مؤسساتها.
اليوم، وفي اليوم الدولي للشباب، أعود للفكرة نفسها، لكن بفارق مهم جداً؛ إذ ما كان حديثاً عن المستقبل أصبح واقعاً نراه أمامنا.الشباب البحريني أصبح اليوم في مواقع يصنع فيها الفرص والقرارات والنتائج.
هذه ربما أهم نقطة في التجربة البحرينية؛ فالتمكين عندنا لم يتوقف عند البرامج والمؤتمرات والفعاليات، بل انتقل إلى اختبار أكثر جدية، تنطلق من الأسئلة التالية: هل نثق بالشباب فعلاً؟! وهل نضعهم في مواقع المسؤولية ونحاسبهم على النتائج؟!والإجابة نراها اليوم في مؤسسات الدولة، وفي مواقع العمل المختلفة، وفي الوجوه الشابة التي أصبحت حاضرة في دوائر صنع القرار والتنفيذ والإدارة.
هناك فارق كبير بين دولة تقول لشبابها: «أنتم المستقبل“، ودولة تقول لهم: «أنتم الحاضر أيضاً.. تفضلوا وتحملوا المسؤولية“.البحرين اختارت الطريق الثاني، ومضت فيه بكل قوة.
الاستثمار الذي بدأ بالتعليم والبعثات وبرامج التدريب وصناعة الكفاءات، كان لابد أن تكتمل دائرته بمنح هذه الكفاءات مساحة حقيقية للعمل. فلا معنى لأن تنفق الدولة على تعليم شاب وتأهيله وإكسابه المعرفة والخبرة، ثم تتركه سنوات طويلة ينتظر دوره. القيمة الحقيقية لذلك الاستثمار تظهر عندما يتحول العلم إلى قرار، والتأهيل إلى مسؤولية، والطموح إلى إنجاز.
هنا يبرز نهج صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي آمن بالشباب عملياً. فمن يتابع مسيرة سموه يرى خيطاً واضحاً يمتد من الاستثمار في التعليم والتأهيل، إلى صناعة القيادات، ثم الدفع بها إلى الميدان ومنحها الثقة والمسؤولية.
الأهم أن التجربة البحرينية لم تبنَ على فكرة إزاحة جيل ليحل مكانه جيل آخر. فهذه ليست معركة أعمار، ولا منافسة بين المخضرمين والشباب. النموذج الناجح هو الذي يجعل خبرة الأولين قاعدة ينطلق منها القادمون، ويحقق انتقالاً سلساً للمعرفة والمسؤولية، بحيث لا تبدأ الأجيال الجديدة من الصفر، بل تبدأ من النقطة التي وصل إليها من سبقها، ثم تضيف إليها.
وهذا بالضبط معنى الاستمرارية.
بعد كل هذه السنوات، وبعد نهج الحكومة الواضح، وأيضاً يعاضدها نهج الدعم الشبابي المستمر من خلال كافة الجهات المسؤولة والنماذج الشبابية القيادية المشرفة، على رأسها سمو الشيخ ناصر بن حمد كمثال رائع للشباب وأيضاً سمو الشيخ خالد بن حمد، وسمو الشيخ عيسى بن سلمان، أجد أن أجمل ما تحقق ليس زيادة عدد الشباب في المواقع المختلفة فقط، بل تغير مفهوم الثقة بهم. أصبح طبيعياً أن ترى شاباً بحرينياً يقود فريقاً، ويدير مشروعاً، ويتولى مسؤولية، ويشارك في صياغة الحلول، ويجلس إلى طاولة القرار.هذا التحول مهم جداً؛ لأن الدول لا تتجدد بتغيير الوجوه فقط، بل بتجديد الأفكار وأساليب العمل وجرأة التجربة.
الشباب بطبيعته يحمل هذه العناصر. يحمل أسئلة مختلفة، وأدوات مختلفة، وفهماً مختلفاً لعالم سريع التغير. لكنه في المقابل يحتاج إلى دولة تؤمن بأن بعض الخبرة تكتسب أثناء تحمل المسؤولية، وأن القيادات لا تولد مكتملة، بل تصنعها الفرص والتجارب والثقة.البحرين فعلت ذلك، وفعلته بجدارة.
لذلك، حين نحتفي اليوم بالشباب البحريني، لا نحتفي بهم باعتبارهم «أمل الغد“ فقط. لأن هذه العبارة بمعناها تعديناها بمراحل. هم شركاء اليوم. وهم جزء من قصة البحرين الآن، مثلما سيكونون ضمانة استمرارها غداً.