حين نتحدث عن الأمن القومي في دول الخليج العربي، تتجه الأذهان عادةً إلى حماية الحدود والمنشآت النفطية والمطارات وشبكات الكهرباء. غير أن هناك مورداً يسبقها جميعاً في ضرورته للحياة، وهو الماء.

تشير البيانات إلى أن دول الخليج العربي تقع ضمن أكثر دول العالم فقراً في المياه الطبيعية؛ إذ يقل نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة في معظمها عن 100 متر مكعب سنوياً، وهو أقل بكثير من حد الفقر المائي المطلق البالغ 500 متر مكعب. وفي المقابل، يتجاوز الاستهلاك اليومي للفرد في بعض دول المنطقة 500 لتر.

وهذه الأرقام تؤكد أن المشكلة لا تكمن في قلة الموارد وحدها، بل في طريقة تعاملنا معها أيضاً. فتحلية المياه، رغم أهميتها، عملية مكلفة ومرتبطة بالطاقة، ولا يجوز أن تتحول وفرة المياه في الصنابير إلى وهمٍ بأن المياه متوفرة بكثرة.

ويكفي أن نتأمل بعض الممارسات اليومية لنرى حجم الهدر الملحوظ في حياتنا مثل غسل السيارات بخرطوم المياه وتركه مفتوحاً لفترات طويلة، وري الحدائق المنزلية باستخدام وسائل تقليدية تستهلك أضعاف حاجة النباتات، إضافة إلى زراعة أنواع لا تناسب مناخنا الجاف وتحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.

كما نلاحظ الهدر في بعض مواضئ المساجد، حيث تُترك الصنابير مفتوحة أثناء الوضوء، أو يكون تدفق المياه أقوى من الحاجة، مع أن الوضوء نفسه عبادة تقوم على الاعتدال والنهي عن الإسراف.

وأصبح من الضروري وضع قوانين واضحة ومتكاملة تحدد ما يُعد هدراً أو إساءةً لاستعمال المياه. ويجب أن تتصدى هذه القوانين إلى السلوكيات اليومية التي تؤدي إلى الهدر مع إلزام أصحاب العقارات بإصلاح الأعطال خلال مدة محددة واستخدام أدوات الترشيد. كما ينبغي أن تتضمن عقوبات متدرجة تبدأ بالتنبيه والتوعية، وتصل إلى إجراءات أشد في حالات الهدر المتعمد أو المتكرر.

فالهدف ليس معاقبة الناس بقدر ما هو تغيير ثقافة الاستهلاك وترسيخ الشعور بأن المياه ملك للمجتمع وليست مورداً مباحاً للهدر. وشخصياً لا أعتقد أن حملات التوعية القديمة حققت الكثير في رفع الوعي عند الناس حول المياه فالتهور في استخدام هذا المورد الثمين مستشر وملحوظ.

عموماً، بعد وضع القاعدة التشريعية، يمكن إنشاء جهة رقابية متخصصة تحت اسم (وحدة حماية المياه) تضم مفتشين ومهندسين، وتتولى هذه الجهة استقبال البلاغات، وضبط المخالفات، والكشف عن التسربات، ومراقبة الاستهلاك غير الطبيعي في المنازل والمزارع والمساجد والمنشآت الكبرى، بالاستعانة بالتقنيات الحديثة.

إن أمن المياه لا يكون بحماية محطات التحلية أو شبكات التوزيع فقط، بل يمتد ليصل إلى الخرطوم الذي يُترك مفتوحاً أمام منزل، والصنبور الذي يهدر الماء في ميضأة مسجد، والحديقة التي تُروى بلا ضوابط. وفي منطقة شحيحة المياه مثل الخليج، لم يعد الترشيد سلوكاً حضارياً اختيارياً، بل أصبح ضرورة وطنية وقضية تشريعية وأمنية. فمَن يحمِ الماء، يحمِ الحياة.